Wednesday, August 11, 2010

الباب الثاني ذكر الأدلة على إثبات بعض الصفات التي خاض فيها الأشعريان بالتحريف والتعطيل

بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الثاني

ذكر الأدلة  على إثبات بعض الصفات التي خاض فيها الأشعريان بالتحريف والتعطيل



        لقد خاض الأشعريان في كثير من صفات الله تعالى بالباطل، وسلطا عليها معاول التحريف والتعطيل زاعمين تنزيه الله تعالى واتباع طريقة السلف، وإن أدنى اطلاع على كتاب الله تعالى وسنة نبيه r وكلام السلف وأئمة السنة المسطر في كتبهم والمنقول عنهم بالإسناد الثابت لكفيل في إبطال جميع ما ادعوه من التحريف والتعطيل الذي سموه تنزيهاً وتأويلاً، لكن التقليد وقلة العلم بالسنة والآثار يُعمي عن الحق، ويزين الباطل.

        وما سبق تقريره في الباب الأول من قواعد السلف في أسماء الله وصفاته كافٍ في إبطال جميع مزاعمهما فيما حرفاه وتأولاه من صفات الله تعالى، ولكن رغبة في الإيضاح لمعتقد السلف، وتأكيداً لجهل الأشعريّيْن به، فسأبين الأدلة على إثبات بعض الصفات التي خاضا فيها بغير الحق. ولن أستوعب ذكر الأدلة في كل صفة إيثاراً في الاختصار وبعداً عن التطويل.

        وسأذكر من كل نوع من الصفات مثالاً يقاس عليه غيره:

        فاليدان مثالٌ عن الصفات الخبرية كالوجه، والعينين، والقدم، والساق، ونحوها.

        والنزول مثالٌ عن الصفات الفعلية الاختيارية كالمجيء، والاستواء، والضحك، ونحوها.

        وأفردت لصفة العلو لله تعالى فصلاً مستقلاً، ولمسألة الحرف والصوت فصلاً مستقلاً.





الفصل الأول

في ذكر الإجماع على علو الله تعالى على خلقه بنفسه

وأنه تعالى فوق العرش بذاته



        إن من أظهر صفات الله تعالى في الكتاب والسنة وأقوال الأئمة كثرةً في الأدلة وتنويعاً لها، مما يُقطع معها بحقيقة اتصاف الله تعالى بها، مع ما ركزه الله في الفطر السوية، وأقر به العقل الصحيح، هي صفة الفوقية لله تعالى، وأنه جل وعلا عالٍ على خلقه بذاته محيط بهم، لا يخفى عليه شيء من شئونهم وأحوالهم، وأنه يُشار إليه في السماء، وترفع إليه الأيدي في الدعاء.

        وقد تنوعت الدلالات في كتاب الله تعالى على علو الله جل وعلا إلى أكثر من عشرين نوعاً أذكر بعضها:

        أحدها: التصريح بالفوقية مقرونة بأداة (من) المعيّنة لفوقية الذات، نحو: {يخافون ربهم من فوقهم} النحل50.

        الثاني: ذكر الفوقية مجردة عن الأداة كقوله: {وهو القاهر فوق عباده} الأنعام18.

        الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو: {تعرج الملائكة والروح إليه} المعارج4.

        الرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} فاطر10.

        الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله: {بل رفعه الله إليه} النساء158.

        السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وشرفاً كقوله: {وهو العلي العظيم} البقرة255، {وهو العلي الكبير} سبأ23، {إنه علي حكيم} الشورى51.

        السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} الزمر1، ولم يقيد الله تبارك نزول شيء بأنه منه إلا القرآن. والنزول لا يكون إلا من علو.

        الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: {إن الذين عند ربك} الأعراف206.

        التاسع: التصريح بأنه سبحانه في السماء كقوله: {أأمنتم من في السماء} الملك16، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون في بمعنى "على"، وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك.

        العاشر: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة "على"، مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحباً في الأكثر لأداة ثم الدالة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المُخاطبون منه غير العلو والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتة. كقوله: {ثم استوى على العرش} الأعراف54.

        الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله سبحانه، كقوله r: "إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا".

        الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو.

        الثالث عشر: الإشارة إليه حساً إلى العلو، كما أشار إليه من هو أعلم به وما يجب له ويمتنع عليه من جميع المعطلة في أعظم مجمع على وجه الأرض يرفع أصبعه إلى السماء ويقول: "اللهم اشهد" ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه.

        الرابع عشر: التصريح بلفظ الأين، كما في سؤاله للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة)[1].

        إلى غير ذلك من أنواع الأدلة الصريحة على علو الله تعالى على خلقه بذاته، وقهره، وسلطانه، وقَدْره، بحيث يمتنع تأويلها البتة، وليست هناك من صفات الله تعالى أظهر في كتابه من صفة العلو، حتى قال بعض العلماء: في القرآن أكثر من ثلاثمائة آية دالة على علوه تعالى بنفسه على خلقه، وقال بعضهم بل ألف دليل.

        وقد أفردت في إثباتها لله تعالى المصنفات، وأفردت لها الرسائل والأبواب، فمن ذلك كتاب "العلو للعلي الغفار" للذهبي، وكتاب "إثبات صفة العلو" لابن قدامة، وكتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" لابن القيم، وكتاب "الكلمات الحسان في علو الرحمن" لعبد الهادي وهبي وغيرها من المصنفات.

        ولما كانت نصوص السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كثيرة جداً قد ذكرها من صنف في هذا الباب ممن سبق ذكرهم، أحببت أن أنقل فقط نصوص من حكى الإجماع المتيقن على إثبات صفة العلو لله تعالى علواً حقيقياً، بمعنى أن الله تعالى فوق خلقه بذاته، وأنه مع علوه لا يخفى عليه شيء من أمر بني آدم، وأنها فطرة فطر الله الخلق عليها.



~ إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمر أبو عمرو الأوزاعي (157 هـ)

        قال: (كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته)[2] اهـ.



~ سعيد بن عامر الضبعى أبو محمد البصرى (208 هـ)

        ذُكر عنده الجهمية فقال: (هم شر قولاً من اليهود والنصارى، قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله فوق العرش، وقالوا: هو ليس عليه شيء)[3] اهـ.



~ الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (238 هـ)

        قال الذهبي: (قال أبو بكر الخلال أنبأنا المروذي حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري حدثنا أبو داود الخفاف سليمان بن داود قال: قال إسحاق بن راهويه: "قال الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} طه5، إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة"

        قال الذهبي: اسمع ويحك إلى هذا الإمام كيف نقل الإجماع على هذه المسألة كما نقله في زمانه قتيبة المذكور)[4] اهـ.



~ قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفى (240 هـ)

        قال الذهبي: (قال أبو أحمد الحاكم وأبو بكر النقاش المفسر واللفظ له حدثنا أبو العباس السراج قال سمعت قتيبة بن سعيد يقول: "هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال جل جلاله: {الرحمن على العرش استوى} طه5".

        قال الذهبي: وكذا نقل موسى بن هارون عن قتيبة أنه قال: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه.

        فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، وقد لقي مالكاً، والليث، وحماد بن زيد، والكبار، وعمّر دهراً، وازدحم الحفاظ على بابه، قال لرجل أقم عندنا هذه الشتوة حتى أخرج لك عن خمسة أناسى مائة ألف حديث)[5] اهـ.



~ أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم القرشى المخزومى (264 هـ)

~ الحافظ أبو حاتم الرازى محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلى (277 هـ)

        قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: (سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً، وعراقاً، وشاماً، ويمناً، فكان من مذهبهم: ...فذكرا أموراً إلى أن قالا: وأن الله عز وجل على عرشه بائنٌ من خلقه كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله r بلا كيف، أحاط بكل شيء علما {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11)[6] اهـ.



~ عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدينوري (276 هـ)

        قال: (والأمم كلها عربيها وعجميها تقول: إن الله تعالى في السماء ما تُركت على فطرها ولم تُنقل عن ذلك بالتعليم.

وفي الحديث إن رجلا أتى رسول الله r بأمة أعجمية للعتق، فقال لها رسول الله r: "أين الله تعالى؟ فقالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله r، فقال عليه الصلاة والسلام: هي مؤمنة، وأمره بعتقها -هذا أو نحوه)[7] اهـ.



~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)

        قال: (وقد اتفقت كلمة المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه، فوق سماواته)[8] اهـ.

        وقال: (وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء، وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه)[9] اهـ.



~ إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)

        قال: (باب ذكر البيان أن الله عز وجل في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه عليه السلام، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين، علمائهم وجهالهم، أحرارهم ومماليكهم، ذكرانهم وإناثهم، بالغيهم وأطفالهم، كل من دعا الله جل وعلا: فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله)[10] اهـ.



~ الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الشافعي (360 هـ)

        قال: (والذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله عز وجل سبحانه على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء ..... ) إلى أن قال: (فإن قال قائل: فإيش معنى قوله : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم الآية التي بها يحتجون ؟ قيل له: علمه عز وجل، والله على عرشه وعلمه محيط بهم وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهل العلم والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم...) إلى أن قال: (باب ذكر السنن التي دلت العقلاء على أن الله عز وجل على عرشه فوق سبع سماواته وعلمه محيط بكل شيء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء)[11] اهـ.



~ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (384 هـ)

        قال: (وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه، فوق سماواته، بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه، لا يأبى ذلك، ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية.)[12] اهـ.



~ الإمام المقرئ المحدث أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي (429 هـ)

        قال: (وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: {وهو معكم أينما كنتم}الحديد4، ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء) اهـ.

         وقال أيضا: ( قال أهل السنة في قوله {الرحمن على العرش استوى} طه5،: أن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز)[13] اهـ.



~ الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (430 هـ)

        قال الحافظ أبو نعيم فى كتابه "محجة الواثقين ومدرجة الوامقين": (وأجمعوا أن الله فوق سمواته، عالٍ على عرشه، مستوٍ عليه لا مستول عليه كما تقول الجهمية)[14] اهـ.

        وقال الذهبي: (قال الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني مصنف حلية الأولياء في كتاب الاعتقاد له: "طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملا بجميع صفاته القديمة .... إلى أن قال: وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائة من دون أرضه.

        قال الذهبي:  فقد نقل هذا الإمام الإجماع على هذا القول ولله الحمد وكان حافظ العجم في زمانه بلا نزاع جمع بين علو الرواية وتحقيق الدراية)[15] اهـ.



~ الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)

        قال في كتاب "الإبانة" : (وأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان)[16] اهـ.



~ شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)

        قال: (ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله عز وجل فوق سبع سماواته، على عرشه، كما نطق به كتابه ..) إلى أن قال: (وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف رحمهم الله لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته)[17] اهـ.



~ الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ)

        قال: (وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله عز وجل في كل مكان وليس على العرش ... –ثم سرد الأدلة)[18] اهـ.

        وقال: (ومن الحجة أيضا في أنه عز وجل على العرش فوق السموات السبع: أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم)[19] اهـ.

        وقال: (معاني هذا الحديث –أي حديث الجارية- واضحة يستغنى عن الكلام فيها، وأما قوله: أين الله؟ فقالت: في السماء، فعلى هذا أهل الحق لقول الله عز وجل لتأويل قول الله عز وجل { الرحمن على العرش استوى } طه5، ولم يزل المسلمون في كل زمان إذا دهمهم أمر وكربهم غم يرفعون وجوههم وأيديهم إلى السماء رغبة إلى الله عز وجل في الكف عنهم)[20] اهـ.



~ الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن أبي علي الحسن الهمذاني (531 هـ)

        قال الذهبي: (قال محمد بن طاهر: حضر المحدث أبو جعفر الهمذاني في مجلس وعظ أبي المعالي فقال: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، فقال أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها: ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، ولا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا، أو قال: فهل عندك دواء لدفع هذه الضرورة التي نجدها، فقال: يا حبيبي ما ثم إلا الحيرة، ولطم على رأسه ونزل، وبقي وقت عجيب، وقال فيما بعد: حيرني الهمذاني)[21] اهـ.





~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)

        قال: (وزعم هؤلاء –أي منكروا العلو الحسي- : أنه لا يجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرؤوس والأصابع إلى فوق، فإن ذلك يوجب التحديد.

        وقد أجمع المسلمون أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن في قوله: {سبح اسم ربك الأعلى} الأعلى1.

        وزعموا: أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات. وعند المسلمين أن لله عز وجل علو الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو، لأن العلو صفة مدح، فثبت لله تعالى علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر، والغلبة.)[22] اهـ.



~ أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن رشد الحفيد القرطبي (605 هـ)

        قال في كتاب "مناهج الأدلة في الرد على الأصوليين": (القول في الجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة ..... إلى أن قال: وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله تعالى والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك)[23] اهـ.



~ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (620 هـ)

        قال: (إن الله وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزاً في   طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينظرون مجيء الفرج من ربهم، وينطقون بذلك بألسنتهم، ولا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته)[24] اهـ.



~ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (671هـ)

        قال في شرح أسماء الله الحسنى: (وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار: أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف، بائن من جميع خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات)[25] اهـ.

        وقال: (والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين.

        وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته.

        قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم – يعني في اللغة – والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. وهذا القدر كاف، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء.)[26] اهـ.



~ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)

        قال: (قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الحافظ في كتاب الرد على الجهمية: حدثنا أبي حدثنا سليمان بن حرب سمعت حماد بن زيد يقول: "إنما يدورون على أن يقولوا ليس في السماء إله" يعني الجهمية.

        قلت : مقالة السلف وأئمة السنة بل والصحابة والله ورسوله والمؤمنون أن الله عز وجل في السماء، وأن الله على العرش، وأن الله فوق سماواته، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا،

وحجتهم على ذلك النصوص والآثار.

        ومقالة الجهمية أن الله تبارك وتعالى في جميع الأمكنة تعالى الله عن قولهم بل هو معنا أينما كنا بعلمه.

        ومقال متأخري المتكلمين: أن الله تعالى ليس في السماء، ولا على العرش، ولا على السموات ولا في الأرض، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا هو بائن عن خلقه ولا متصل بهم، وقالوا: جميع هذه الأشياء صفات الأجسام والله تعالى منزه عن الجسم.

        قال لهم أهل السنة والأثر: نحن لا نخوض في ذلك ونقول ما ذكرناه اتباعاً للنصوص وإن زعمتم، ولا نقول بقولكم، فإن هذه السلوب نعوت المعدوم تعالى الله جل جلاله عن العدم، بل هو موجود متميز عن خلقه، موصوف بما وصف به نفسه من أنه فوق العرش بلا كيف)[27] اهـ.

        وقال بعد نقله لكلام القرطبي : (وقال القرطبي أيضا في الأسنى "الأكثر من المتقدمين والمتأخرين يعني المتكلمين يقولون إذا وجب تنزيه الباري جل جلاله عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم المتأخرين تنزيه الباري عن الجهة فليس لجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز، ويلزم على المكان والحيز والحركة والسكون للتحيز والتغير والحدوث. "هذا قول المتكلمين"

        قال الذهبي: نعم هذا ما اعتمده نفاة علو الرب عز وجل، وأعرضوا عن مقتضى الكتاب والسنة وأقوال السلف وفطر الخلائق، ويلزم ما ذكروه في حق الأجسام، والله تعالى لا مثل له، ولازم صرائح النصوص حق ولكنا لا نطلق عبارة إلا بأثر، ثم نقول لا نسلم كون الباري على عرشه فوق السموات يلزم منه أنه في حيز وجهة إذ ما دون العرش يقال فيه حيز وجهات، وما فوقه فليس هو كذلك، والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر الأول، ونقله عنهم الأئمة، وقالوا ذلك رادين على الجهمية القائلين بأنه في كل مكان محتجين بقوله: {وهو معكم} الحديد4، فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين وتابعيهم وهما قولان معقولان في الجملة.

        فأما القول الثالث المتولد أخيراً من أنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجاً عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات ولا خارجاً عن الجهات، ولا ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين، وآمن بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وفوض أمرك إلى الله ولا حول ولا قوة إلا بالله)[28] اهـ.



فرع: في تقرير أبي الحسن الأشعري لعلو الله تعالى على خلقه بذاته، وإبطال كونه لا داخل العالم ولا خارجه ولا حال فيه ولا محايث له

        قال في كتابه الإبانة في فصل "ذكر الاستواء على العرش" بعد ذكر الآيات الدالة على علو الله تعالى على جميع خلقه: (وقال تعالى حاكياً عن فرعون: {يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} غافر36، فكذب فرعون نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام في قوله إن الله عز وجل فوق السماوات. وقال عز وجل:  {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} الملك16، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: {أأمنتم من في السماء} لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات ..) إلى أن قال: (ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطّونها إذا دعوا إلى الأرض.

        فصل: وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} طه5، أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله عز وجل مستوياً على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة .

        ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة) .. ثم ساق الأدلة وأجاب عن شبهات المعتزلة وغيرهم ثم قال: (دليل آخر: قال الله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} النحل50، وقال تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه} المعارج4، وقال تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} فصلت11، وقال تعالى: {ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا} الفرقان59، وقال تعالى: {ثم استوى على العرش ما لكم من ولي ولا شفيع} السجدة4، فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه، والسماء بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته، مستو على عرشه استواء منزهاً عن الحلول والاتحاد.

        دليل آخر:

        قال الله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22، وقال تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} البقرة210، وقال: {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى} إلى قوله: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} النجم(8-18)، وقال تعالى لعيسى ابن مريم عليه السلام: {إني متوفيك ورافعك إليّ} آل عمران55، وقال تعالى: {وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه} النساء158، وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى r إلى السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعاً: يا ساكن السماء، ومن حلفهم جميعاً: لا والذي احتجب بسبع سماوات.)[29] اهـ.

        وقال في "مقالات الإسلاميين" في ذكر من ضل في علو الله تعالى فذكر منهم من قال أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك: (وقال قائلون : .. ثم قال: وأنه ليس في الأشياء ولا على العرش إلا على معنى أنه فوقه غير مماس له، وأنه فوق الأشياء وفوق العرش ليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها...) إلى أن قال: (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} طه5، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول: استوى بلا كيف ...) إلى أن قال: (وقالت المعتزلة أن الله استوى على عرشه بمعنى استولى.)[30] اهـ.

        وقال في "رسالة إلى أهل الثغر" في الإجماع  التاسع عشر في إثبات علو الله تعالى وأنه لا ينافي معيته لخلقه بالعلم: (وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} الملك16، وقال: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} فاطر10. وقال: {الرحمن على العرش استوى} طه5، وليس استواءه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر، لأنه عز وجل لم يزل مستولياً على كل شيء. وأنه يعلم السر وأخفى من السر، ولا يغيب عنه شيء في السماوات والأرض حتى كأنه حاضر مع كل شيء، وقد دل الله عز وجل على ذلك بقوله: {وهو معكم أينما كنتم} الحديد4، وفسر ذلك أهل العلم بالتأويل أن علمه محيط بهم حيث كانوا. وأنه له عز وجل كرسياً دون العرش، وقد دل الله سبحانه على ذلك بقوله: {وسع كرسيه السموات والأرض} البقرة255، وقد جاءت الأحاديث عن النبي r أن الله تعالى يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده)[31] اهـ.





فرع: في تقرير عبد الله بن سعيد بن كلاب لعلو الله تعالى على عرشه، وإبطال من زعم أنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا حال فيه ولا محايث له

        قال: (ويقال لهم أهو فوق ما خلق؟ فإن قالوا: نعم، قيل: ما تعنون بقولكم إنه فوق ما خلق؟ فإن قالوا: بالقدرة والعزة، قيل لهم: ليس عن هذا سألناكم، وإن قالوا: المسألة خطأ، قيل: فليس هو فوق، فإن قالوا: نعم ليس هو فوق، قيل لهم: وليس هو تحت، فإن قالوا: ولا تحت أعدموه، لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم، وإن قالوا: هو فوق وهو تحت، قيل لهم: فوق تحت وتحت فوق ....وقال أيضاً: (يقال لهم إذا قلنا الإنسان لا مماس ولا مباين للمكان فهذا محال، فلا بد من نعم، قيل لهم: فهو لا مماس ولا مباين، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فهو بصفة المحال من المخلوقين الذي لا يكون ولا يثبت في الوهم، فإذا قالوا: نعم، قيل: فينبغي أن يكون بصفة المحال من هذه الجهة، وقيل لهم: أليس لا يقال لما ليس بثابت في الإنسان مماس ولا مباين؟ فإذا قالوا: نعم، قيل: فأخبرونا عن معبودكم مماس هو أو مباين؟ فإذا قالوا: لا يوصف بهما، قيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون عدم كما تقولون للإنسان عدم إذا وصفتموه بصفة العدم، وقيل لهم: إذا كان عدم المخلوق وجوداً له فإذا كان العدم وجوداً كان الجهل علماً والعجز قوة)[32] اهـ.

        وقال الذهبي في ترجمته: (وصنف في التوحيد وإثبات الصفات، وأن علو الباري على خلقه معلوم بالفطرة والعقل على وفق النص)[33] اهـ.



فرع في تقرير علو الله بذاته على خلقه من كلام الحاث المحاسبي

        قال في كتابه "فهم القرآن": (وأن قوله: {على العرش استوى} طه5، {وهو القاهر فوق عباده}الآية الأنعام18، {أأمنتم من فى السماء} الملك16، {إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا} الإسراء42، فهذا وغيره مثل قوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} المعارج4، {إليه يصعد الكلم الطيب} فاطر10، هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها، منزه عن الدخول فى خلقه، لا يخفى عليه منهم خافية، لأنه أبان فى هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده، لأنه قال: {أأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض} الملك16، يعنى فوق العرش، والعرش على السماء، لأن من قد كان فوق كل شىء على السماء فى السماء، ..) إلى أن قال: ({وقال فرعون يا هامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى} غافر36، ثم استأنف الكلام فقال {وإنى لأظنه كاذبا} فيما قال لى أن إلهه فوق ..)[34] اهـ.



خلاصة الفصل:

        أولاً: أن الله تبارك وتعالى متصف بالعلو المطلق، علو الذات، وعلو القهر، وعلو القَدْر، وأن الأدلة متضافرة على تقرير هذا الأمر، فقد دل على علوه تعالى على خلقه بذاته: الكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة، والعقل.

        ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري وعبد الله بن سعيد بن كلاب والحارث المحاسبي يثبتون علو الله تبارك وتعالى على خلقه، وأنه علو الذات والقهر والغلبة والقدر، ويبطلون ما خالف ذلك.

[ بيان نفي الأشاعرة لعلو الله تعالى وقولهم في هذا الباب بما يمتنع بداهة ]

        ثالثاً: بطلان قول الأشاعرة في إنكار علو الله تعالى بذاته على عرشه، وتأويلهم له بعلو القهر والغلبة والقدر، وأنهم في ذلك مخالفون للكتاب والسنة والإجماع، موافقون للجهمية والمعتزلة.

        قال البيجوري في شرح الجوهرة في شرح قول الناظم "ويستحيل ضد ذي الصفات ... في حقه كالكون في الجهات": (فليس –أي الله تبارك وتعالى- فوق العرش ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله ... فليس له فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال ..)[35] اهـ.

        وقال الغزالي في "الاقتصاد في الاعتقاد": (ندعي – أي الأشاعرة - أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست .... فإن قيل: فنفي الجهة يؤدي إلى المحال وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست، ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه وذلك محال ....) ثم أجاب عن هذا مؤكداً عدم امتناع اتصاف الله بما ذُكر[36].

        وقال الشهرستاني في "نهاية الإقدام في علم الكلام": (فإنا نقول: ليس بداخل العالم ولا خارج)[37] اهـ.

        وقال التفتازاني: (وإذا لم يكن –أي الله تعالى- في مكان: لم يكن في جهة، لا علو، ولا سفل، ولا غيرهما ..)[38] اهـ.

        وقال الأشعريان (ص139): (ولا يُفهم من قول أهل الحق: أن الله تعالى لا يوصف بأنه داخل العالم ولا أنه خارجه، بأنهم يصفونه بالعدم ... وإنما مرادهم كما مر أن إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى لا يجوز وهو منزه عنه – أي علو الله تعالى على خلقه علواً بمعنى الفوقية والارتفاع - .... أما ما جاء في الكتاب والسنة من الألفاظ التي ظاهرها إثبات الجهة والمكان لله تعالى فهي – قطعاً وباتفاق علماء السلف والخلف – مصروفة عن ظاهرها وحقائقها ..) اهـ.

        هذا معتقد القوم في الله تبارك وتعالى عما زعموه علواً كبيراً، وصدق الذهبي إذا يقول عن هذه المقالة: (فأما القول الثالث المتولد أخيراً من أنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجاً عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات ولا خارجاً عن الجهات، ولا ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين)[39] اهـ.

        وهكذا يتبين لكل ذي لب مخالفة الأشاعرة والأشعريّيْن للكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة، والعقل، بل ومخالفتهم لأبي الحسن الأشعري نفسه الذي يزعمون الانتساب إليه.

        ولعله من المناسب أن نلحق هذا الفصل لما يؤكده وهو:

























الفصل الثاني

في جواز السؤال عن الله تعالى بـ أين؟ والرد على من أنكر ذلك



        من أدلة أهل السنة والجماعة على إثبات علو الله تعالى بذاته على خلقه، التصريح في السؤال عن الله تعالى بلفظ (الأين).

        فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي t قال: (وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله r فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة)[40].

        وهذا صريح في جواز السؤال عن الله تعالى بـ "أين" والجواب عنه بـالقول بأنه في السماء، وأنه علامة على صحة الإيمان بالله، لما فيه من معرفة الله تعالى بإثبات علوه على خلقه، وأنه في السماء.

        وقد أجمع السلف على صحة السؤال عن الله تعالى به، وعلى وجوب الجواب الجواب بكونه تبارك وتعالى في السماء، وأنكروا على من منع ذلك، بل اعتبروا المنع منه رداً على رسول الله r، وإنكاراً لعلو الله تبارك وتعالى.

        وفي حديث النبي r كفاية وغنية بحمد الله، وفيه حجة دامغة على من أبطل ذلك ومنعه، ولكن أكثرهم لا يفقهون.



        ومع ذلك فأنا أذكر هنا بعض نصوص السلف الدالة على ذلك، والمؤكدة لما جاء في الحديث:



~ سليمان بن طرخان التيمى أبو المعتمر البصرى (143 هـ)

        قال صدقة: (سمعت التيمي يقول: لو سُئلت أين الله تبارك وتعالى؟

        قلت: في السماء.

        فإن قال: فأين عرشه قبل أن يخلق السماء؟

        قلت: على الماء.

        فإن قال لي: أين كان عرشه قبل أن يخلق الماء؟

        قلت: لا أدري)[41] اهـ.



~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)

        قال في الرد على قول المعارض بالمنع من السؤال عن الله بـ"أين": (وصرحت أيضاً بمذهب كبير فاحش من قول الجهمية. فقلت: إذا قالوا لنا: أين الله؟ فإنا لا نقول بالأينية بحلول المكان. إذا قيل: أين هو؟ قيل: هو على العرش وفي السماء.

        فيقال لك أيها المعارض: ما أبقيت غاية في نفي استواء الله على العرش واستوائه إلى السماء، إذ قلت: لا نقول: إنه على العرش وفي السماء بالأينية. ومن لم يعرف أن إلهه فوق عرشه، فوق سماواته، فإنما يعبد غير الله، ويقصد بعبادته إلى إله في الأرض، ومن قصد بعبادته إلى إله في الأرض كان كعابد وثن، لأن الرحمن على العرش، والأوثان في الأرض، كما قال لجبريل: {عند ذي العرش مكين.مطاع ثم أمين} التكوير20، ففي قوله دليل على البينونة والحد بقوله {ثم} لا ها هنا في الكنف والمراحيض كما ادعيتم.

        وإن أبيت أيها المعارض أن تؤين الله تعالى وتقر به أنه فوق عرشه، دون ما سواه، فلا ضير على من أينه، إذ رسوله ونبيه r قد أينه فقال للأمة السوداء: "أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة" وكذلك أينه رسول الله r وخليله إبراهيم أنه في السماء) .... إلى أن قال: (وأما قولك: لا يوصف بأين. فهذا أصل كلام جهم)[42] اهـ.

        فتأمل قوله في أن المنع عن السؤال بأين، هو أصل الجهمية!!

~ القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 هـ)

        قال بعد روايته لحديث الجارية: (اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين:

        أحدهما: في جواز السؤال عنه سبحانه بأين هو؟ وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء.

        والثاني: قوله "اعتقها فإنها مؤمنة".

        أما الفصل الأول فظاهر الخبر يقتضي جواز السؤال عنه، وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء، لأن النبي r قال لها "أين الله؟"، فلولا أن السؤال عنه جائز لم يسأل، وأجابته بأنه في السماء وأقرها على ذلك، فلولا أنه يجوز الإخبار عنه سبحانه بذلك لم يقرها عليه...) إلى أن قال: (وقد أطلق أحمد القول بذلك فيما خرجه في "الرد على الجهمية" ..)[43] اهـ.



~ شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي (481 هـ)

        قال في بيان موافقة الأشاعرة للجهمية: (فاسمعوا يا أولي الألباب، وانظروا ما فضل هؤلاء –أي الأشاعرة- على أولئك –أي الجهمية-، أولئك قالوا: -قبح الله مقالتهم- إن الله موجود بكل مكان، وهؤلاء يقولون: ليس هو في مكان ولا يوصف بأين.

        وقد قال المبلغ عن الله عز وجل لجارية معاوية بن الحكم t: "أين الله".)[44] اهـ.



~ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (600 هـ)

        قال بعد روايته لحديث الجارية: ( ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً، ممن يقول: إنه لا يجوز أن يُقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: أين الله؟)[45] اهـ.

~ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)

        قال بعد ذكر حديث الجارية: (وهكذا رأينا كل من يُسأل: أين الله؟ يبادر بفطرته ويقول: في السماء. ففي الخبر مسألتان:

        إحداهما: شرعية، قول المسلم أين الله.

        وثانيهما: قول المسؤول: في السماء.

        فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى r)[46] اهـ.



فرع: في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري

        قال في "الإبانة" في باب ذكر الاستواء على العرش: (دليل آخر:

        وروت العلماء رحمهم الله عن النبي r أنه قال: (إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله عز وجل حتى يسأله عن عمله) .

        وروت العلماء أن رجلا أتى النبي r بأمة سوداء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أعتقها في كفارة، فهل يجوز عتقها؟

        فقال لها النبي r: أين الله ؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي r: أعتقها فإنها مؤمنة.

        وهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء ..)[47] اهـ.



فرع: تقرير هذا الأصل من قول عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان

        قال فى كتاب "الصفات" فى باب القول فى الاستواء فيما نقله عن ابن فورك: (فرسول الله وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته وأعلمهم جميعاً به يجيز السؤال بأين، ويقوله يستصوب قول القائل إنه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين زعموا، ويحيلون القول به، ولو كان خطأ كان رسول الله أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها لا تقولي ذلك فتوهمين أن الله عز وجل محدود وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي إنه في كل مكان دون مكان، لأنه الصواب دون ما قلت، كلا لقد أجازه رسول الله مع علمه بما فيه وأنه أصوب الأقاويل، والأمر الذي يجب الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، فكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له.

        قال: ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحداً من الناس عنه عربياً ولا عجمياً ولا مؤمناً ولا كافراً فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء إن أفصح، أو أوما بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح، لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحداً داعياً له إلا رافعاً يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحداً غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول في كل مكان كما يقولون، وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وحده وخمسون رجلاً معه نعوذ بالله من مضلات الفتن) اهـ.

        ثم قال ابن فورك: فقد حقق رحمه الله في هذا الفصل شيئاً من مذاهبه، أحدها: إجازة القول بأين الله؟ في السؤال عنه، والثاني: صحة الجواب عنه بأن يقال: في السماء، والثالث: أن ذلك يرجع فيه إلى الإجماع من الخاصة والعامة)[48] اهـ.



خلاصة الفصل:

        أولاً: جواز السؤال عن الله تعالى بـ: أين الله؟، والجواب عنه: بأنه في السماء، ولا يستلزم هذا تحديداً، ولا تكييفاً، ولا شيئاً من لوازم صفات المخلوقين، وأنه مذهب السلف بلا خلاف بينهم اتباعاً للنبي r.

        ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري وعبد الله بن سعيد بن كلاب موافقان للسلف في هذه المسألة، ومنكران على من منع السؤال بأين، وعليه فإن كل من يزعم الانتساب إليهما مع مخالفته لهما فدعواه باطلة.

        ثالثاً: أن الذي ينكر السؤال عن الله تعالى بأين، إنما هم المعطلة كالجهمية والمعتزلة وكل من وافقهم على هذا.

        رابعاً: موافقة الأشاعرة للجهمية والمعتزلة في إنكار السؤال عن الله تعالى بأين، وبه يتبين بطلان ما ادعاه الأشعريان من موافقة الأشاعرة للسلف.





































الفصل الثالث

إثبات أن الله تبارك تعالى يتكلم بحرف وصوت مسموع

 وأن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين



        اتفق أهل السنة والجماعة على ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الله تبارك وتعالى موصوف بالكلام، وأنه يتكلم متى شاء كيف شاء بحرف وصوت مسموع، لا يشبه كلام المخلوقين، بل كلامه لائق به سبحانه، وكلامه صفة له كذاته نؤمن به ونثبته ولا نعلم كيفيته، ولا نمثله بشيء من صفات خلقه، ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، وهو السميع البصير المتكلم.

        والله تبارك وتعالى يتكلم بكلام مسموع بحرف وصوت لا يشبه أصوات المخلوقين، وقد دل على إثبات كون الله تبارك وتعالى يتكلم بحرف وصوت: الكتاب والسنة والإجماع واللغة.

        فمن الكتاب قوله تبارك وتعالى: {وكلم الله موسى تكليما} النساء164.

        وقال: {فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} الأعراف143. وغير ذلك من الآيات.

        والكلام لغةً لا يكون إلا بحرف وصوت. فلما أثبت الله لنفسه الكلام دل على أنه حرف وصوت. لأن الله تعالى وصف كتابه بأنه: {بلسان عربي مبين} الشعراء195.

        قال أبو نصر السجزي: (الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق، وإن اختلفت بهم اللغات. وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات متقطعة. وقالت العرب: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل: زيد، وحامد، والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد، والحرف الذي يجئ لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك. فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفاً وصوتاً)[49] اهـ.

        وقال قوام السنة أبو القاسم التيمي الأصبهاني: (وقد أجمع أهل العربية أن ما عدا الحروف والأصوات ليس بكلام حقيقة)[50] اهـ.

        وقال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} التوبة6. ومعلوم أن السامع إنما يسمع حرفاً وصوتاً.

        والقرآن كلام الله تبارك وتعالى، وقد بين النبي r أنه سور وآي وحروف فقال: (من قرأ سورة الإخلاص ..) الحديث، (ومن قرأ آية الكرسي) الحديث، و(من قرأ حرفاً من القرآن) الحديث.

        وقد وصف الله تبارك وتعالى نفسه بالنداء فقال: {وإذ نادى ربك موسى} الشعراء10.

        وقال تعالى: {هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه} النازعات16.

        قال السجزي: (والنداء عند العرب صوت لا غير، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله r أنه من الله غير صوت)[51] اهـ.

        وقال ابن منظور في اللسان: (النداء: الصوت)[52] اهـ.



أما الأدلة من السنة:

        (1) فعن أبي سعيد الخدري t قال: قال النبي r: (يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه قال تسعمائة وتسعة وتسعين...) الحديث[53].

        (2) عن عبد الله بن أنيس t قال: (قال سمعت رسول الله r يقول: يحشر الناس يوم القيامة أو قال العباد عراة غرلاً بُهماً، قال: قلنا: وما بُهماً؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله عز وجل عراة غرلاً بُهماً؟ قال: بالحسنات والسيئات)[54].

        (3) وعن عبد الله t قال: (إذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً، حتى إذا فزع عن قلوبهم، قال سكن عن قلوبهم، نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قال r: الحق، قال كذا وكذا)[55].



        وغيرها أحاديث كثيرة رواها أهل العلم وتلقوها بالقبول غير منكرين لمعناها، ولا طاعنين في دلالتها.





        وأما أقوال الأئمة فكثيرة منها:



~ محمد بن كعب القرظى (120 هـ)

         قال: (قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: بما شبهت صوت ربك عز وجل حين كلمك من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوته بصوت الرعد حين لا يترجع)[56] اهـ.



~ أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (173 هـ)

        قال أبو تميلة: (سمعت أبا عصمة وسئل: كيف كلم الله عز وجل موسى تكليماً؟ قال : مشافهة)[57] اهـ.



~ وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي (الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين)

        قال في قول الله عز وجل: {وكلم الله موسى تكليما} النساء164، قال: «مشافهة مراراً»[58].

        قلت: وقد قال الجوهري: (المشافهة الكلام من فيك إلى فيه).









~ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)

        قال عبد الله: (سألت أبي رحمه الله عن قوم، يقولون: لما كلم الله عز وجل موسى لم يتكلم بصوت؟ فقال أبي: بلى إن ربك عز وجل تكلم بصوت هذه الأحاديث نرويها كما جاءت.

        وقال أبي رحمه الله: حديث ابن مسعود t "إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان"، قال أبي: وهذا الجهمية تنكره.

        وقال أبي: هؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله عز وجل لم يتكلم فهو كافر، ألا إنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت)[59] اهـ

        وقال أبو بكر الخلال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا يعقوب بن بختان قال: (سئل أبو عبد الله عمن زعم أن الله عز وجل لم يتكلم بصوت؟

        قال: بلى يتكلم سبحانه بصوت)[60] اهـ.

        وأخرج أبو بكر الخلال عن المروذي قال: (سمعت أبا عبد الله وقيل له: أن عبد الوهاب قد تكلم وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام، فتبسم أبو عبد الله وقال: ما أحسن ما قال عافاه الله)[61] اهـ.        وقال أبو يعلى: (وقد نص أحمد في رواية الجماعة على إثبات الصوت)[62] اهـ.

        وقال في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" في باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى: (قال أحمد رضى الله عنه فلما خنقته الحجج قال: إن الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره. فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم. فقلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون. وحديث الزهري قال: "لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك بقوة عشر آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت.

        قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك؟ قال: سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم. قالوا: فشبِّهه؟ قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله)[63] اهـ.

        وقال أبو الفضل التميمي في اعتقاد الإمام أحمد –وهو الذي يعتمد عليه الأشعريان في نقل معتقده- : (وكان يقول: إن القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وأن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف)[64] اهـ.



~ الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل البخاري (256 هـ)

        قال: (وإن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله عز وجل ذكره.

        قال أبو عبد الله: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله جل ذكره يُسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا.

        وقال عز وجل: {فلا تجعلوا لله أندادا} البقرة22، فليس لصفة الله ند، ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين)[65] اهـ.



~ إمام أهل السنة والجماعة في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري (329هـ)

        قال: (والإيمان بأن الله تبارك وتعالى هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور، وموسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع في مسامعه منه لا من غيره، فمن قال غير هذا، فقد كفر بالله العظيم)[66] اهـ.



~ شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي (481 هـ)

        قال منكراً على الأشاعرة نفيهم للحرف والصوت: (ثم قالوا: ليس له صوت ولا حروف ..)[67] اهـ.



~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)

        قال في كتابه الحجة: (فصل: الدليل على أن القرآن منزل، وهو ما يقرأه القارئ خلافاً لمن يقول: كلام الله ليس بمنزل ولا حرف ولا صوت:

        فإن قيل: المتكلم بحرف وصوت يحتاج إلى أدوات الكلام، فقل: عدم أداة الكلام لا يمنع من ثبوت الكلام، كما أن عدم آلة العلم لا يمنع من ثبوت العلم.

        دليل أهل السنة: قوله تعالى: {حتى يسمع كلام الله} التوبة6، والمسموع إنما هو الحرف والصوت، لأن المعنى لا يُسمع ولا يُفهم. يقال في اللغة: سمعت الكلام وفهمت المعنى، فلما قال: حتى يسمع: دل على أنه حرف وصوت. ....)[68] اهـ.



~ الشيخ أبو البيان محمد بن محفوظ السلمي الدمشقي الشافعي اللغوي (551 هـ)

        قال أبو المعالي أسعد بن المنجا: (كنت يوما عند الشيخ أبي البيان رحمه الله تعالى فجاءه ابن تميم الذي يدعى الشيخ الأمين، فقال له الشيخ بعد كلام جرى بينهما: ويحك الحنابلة إذا قيل لهم ما الدليل على أن القرآن بحرف وصوت، قالوا: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، وسرد الشيخ الآيات والأخبار، وأنتم إذا قيل لكم: ما الدليل على أن القرآن معنى في النفس؟ قلتم: قال الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد، إيش هذا الأخطل نصراني خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله وتركتم الكتاب والسنة)[69] اهـ.

~ أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (561 هـ)

        قال في كتابه "الغنية" في القرآن: (هو كلام الله تعالى في صدور الحافظين وألسن الناطقين، في أكف الكاتبين وملاحظة الناظرين، ومصاحف أهل الإسلام، وألواح الصبيان، حيثما رؤي ووجد. فمن زعم أنه مخلوق أو عبارته، أو التلاوة غير المتلو، أو قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم، ولا يؤاكل، ولا يُناكح، ولا يُجاور، بل يُهجر ويُهان ...

–      ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة ثم قال:

 فصل: ونعتقد أن القرآن حروف مفهومة، وأصوات مسموعة، لأن بها يصير الأخرس ةالساكت متكلماً ناطقاً، وكلام الله عز وجل لا ينفك عن ذلك، فمن جحد ذلك فقد كابر حسه وعميت بصيرته – ثم ساق الأدلة ثم قال: وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله عز وجل صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين خلاف ما قالت الأشعرية من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل ...)[70] اهـ.



~ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (600 هـ)

        (ونعتقد أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة: عين كلام الله عز وجل لاحكاية ولا عبارة ..... ومن أنكر أن يكون حروفاً فقد كابر العيان وأتى بالبهتان. وروى الترمذي من طريق عبد الله بن مسعود t عن رسول الله r أنه قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله عز وجل فله عشر حسنات) ... ثم ساق الأدلة إلى أن قال: (وقول القائل: بأن الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج: باطل ومحال. قال الله عز وجل: {يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد} ق30. وكذلك قوله تعالى إخباراً عن السماء والأرض أنهما قالتا: {أتينا طائعين} فصلت11. فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات)[71] اهـ.



~ الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)

        قال في رده على من أنكر على الحافظ عبد الغني المقدسي إثباته الصوت لله تعالى، وأن هذا مخالف لمعتقد الإمام أحمد: (وأما إنكار إثبات الصوت عن الإمام الذي ينتمي إليه الحافظ، فمن أعجب العجب، وكلامه -أي الإمام أحمد- في إثبات الصوت كثير جداً... -ثم ذكر الآثار عن الإمام أحمد-)[72] اهـ.

        ومع هذه النصوص الصريحة من هؤلاء الأئمة، فإنه لم يُنقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت، أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف، كما لم يقل أحد منهم أن الصوت الذى سمعه موسى قديم، ولا أن ذلك النداء قديم، ولا قال أحد منهم: أن هذه الأصوات المسموعة من القراء هي الصوت الذى تكلم الله به، بل الآثار مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذى يتكلم الله به وبين أصوات العباد.

~ الإمام القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الدمشقي (792 هـ)

        ذكر افتراق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال فقال: (وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو متكلم به بصوت يُسمع، وإن نوع الكلام قديم وإن لم تكن صورة المعين قديماً، وهو المأثور عن أئمة الحديث والسنة.)[73] اهـ.

        وقد نقله ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر[74] بحرفه، ولم يتعقبه بشيء.



فرع: في تقرير أن الله تعالى يتكلم متى شاء وأن كلامه يسمع من ذاته تعالى، من كلام أبي الحسن الأشعري

        قال في الإبانة في الباب الرابع "الكلام في أن القرآن كلام الله غير مخلوق": (دليل آخر: وقد قال الله عز وجل: {وكلم الله موسى تكليما} النساء164، والتكليم هو المشافهة بالكلام)[75] اهـ.

        قال الجوهري: (المشافهة: المخاطبة من فيك إلى فيه).

        وهذا ظاهر في أن أبا الحسن الأشعري يثبت أن الله تعالى شافه موسى عليه السلام، فخاطبه تعالى من ذاته، وأن موسى سمع كلام الله تعالى حينئذ، ولا يكون هذا إلا إذا حرفاً وصوتاً مسموعاً.



فرع في تقرير أن الله يتكلم بحرف وصوت من كلام الحارث المحاسبي

أبو عبدالله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي (243 هـ)

        قال الكلاباذي في الباب العاشر "اختلافهم في الكلام ما هو؟": (وقالت طائفة منهم: كلام الله حرف وصوت، وزعموا أنه لا يُعرف كلامه إلا ذلك، مع إقرارهم أنه صفة الله تعالى في ذاته غير مخلوق، وهذا قول حارث المحاسبي، ومن المتأخرين ابن سالم)[76] اهـ.

        وهذا القول هو الذي رجع إليه في آخر حياته، بعد أن هجره الإمام أحمد وحذر منه بسبب دخوله في الكلام، ومشيه على طريقة ابن كلاب.



خلاصة الفصل:

        أولاً: اتفاق السلف على ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الله تعالى موصوف بالكلام حقيقة، وأنه يتكلم بحرف وصوت مسموع لا يشبه أصوات المخلوقين، وهو الذي.

        ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا فيما استقر عليه مذهبه.

        ثالثاً: أن أئمة السنة كانوا يعدون من أنكر تكلم الله تعالى بصوت من الجهمية، كما نص عليه أحمد وغيره.

[ موافقة الأشاعرة للجهمية في إنكار الحرف والصوت ]

        رابعاً: موافقة الأشاعرة للجهمية في إنكار الحرف والصوت لله، وهذا يبطل دعوى الأشعريّيْن في كون الأشاعرة من أهل السنة، وأنهم موافقون للسلف.

        قال الأشعريان (ص76): (ومن يطالع النظامية يعلم موافقتها لاعتقاد أهل السنة الأشاعرة، فمن أمثلة ذلك تنزيه الإمام الجويني لله تعالى عن الجهة، والمكان، والحيز، والحرف، والصوت، وظواهر المتشابه، .....وكذلك الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فكتابه "إلجام العوام" .... هو في حقيقة الأمر تأصيل لمسلك السادة الأشاعرة من حيث تنزيه الله تعالى عن سمات الحوادث مثل الجهة، والمكان، والحروف، والأصوات، وظواهر المتشابه،...) اهـ.

        وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: (ولا يجوز أن يطلق على كلامه شيء من أمارات الحدث من حرف ولا صوت)[77] اهـ.

        وقال الغزالي في صفة الكلام لله: (فإنا معترفون باستحالة قيام الأصوات بذاته وباستحالة كونه متكلماً بهذا الاعتبار .... وأما الحروف فهي حادثة .... وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى ليس بحرف ولا صوت)[78] اهـ.

        وقال البيجوري في شرح الجوهرة عن صفة الكلام لله: (صفة أزلية قائمة بذاته تعالى ليست بحرف ولا صوت)[79] اهـ.

فرع في أصل ضلال الأشاعرة في هذا الباب

        أصل ضلال الأشاعرة في هذا الباب هو ابتداعهم القول في الكلام النفسي: وهو أن حقيقة الكلام عندهم هو ما قام بالنفس، واللفظ غير داخل في حقيقته، وهذا قول لم يُسبقوا إليه البتة.

        إذ الكلام لغة: هو اللفظ والمعنى، أو لفظ جاء لمعنى، ولا يُعرف الكلام في لغة العرب إلا هذا.

        وكان ابن كلاب أول من ابتدع الكلام النفسي، وأن الله لا يتكلم بمشيئته، وأن كلامه بلا بحرف ولا صوت، وتبعه عليه الأشعري.

        قال أبو نصر السجزي: (اعلموا أرشدنا الله وإياكم أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب، والقلانسي، والصالحي، والأشعري، .... في أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق وإن اختلفت اللغات ..... فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه حاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان عليه السلف .....فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما يسمى ذلك كلاماً في المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم ... فألجأهم الضيق مما يدخل عليهم مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم .... وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه. ومن عُلم منه خرق إجماع الكافة، ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله، لم يُناظر بل يجانب ويقمع ..)[80] اهـ.

        وقال ابن الجوزي: (وهذا أمر مستقر –أي القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق- لم يختلف فيه أحد من القدماء في زمن الرسول r والصحابة y، ثم دس الشيطان دسائس البدع، فقال قوم: هذا المشار إليه مخلوق، فثبت الإمام أحمد رحمة الله ثبوتاً لم يثبته غيره على دفع هذا القول لئلا يتطرق إلى القرآن ما يمحو بعض تعظيمه في النفوس، ويخرجه عن الإضافة إلى الله عز وجل.

ورأى أن ابتداع ما لم يقل فيه لا يجوز استعماله فقال: كيف أقول ما لم يقل.

ثم لم يختلف الناس في غير ذلك، إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري. فقال مرة بقول المعتزلة، ثم عَنَّ له فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس. فأوجبت دعواه هذه أن ما عندنا مخلوق.

وزادت فخبطت العقائد، فما زال أهل البدع يجوبون في تيارها إلى اليوم)[81] اهـ.

        وقال الذهبي في ترجمة ابن كلاب: (وكان يقول بأن القرآن قائم بالذات بلا قدرة ولا مشيئة، وهذا ما سبق إليه أبداً)[82] اهـ.



موافقة الأشاعرة للمعتزلة في أن القرآن الذين بين أيدينا مخلوق:

        وتفرع عما سبق من ابتداع الكلام النفسي عند الأشاعرة القول بأن القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق، فوافقوا بذلك الجهمية والمعتزلة.

        فالمعتزلة لا يثبتون كلاماً لله تعالى إلا ما قام بغيره، ويقولون عن القرآن أنه كلام الله، باعتبار أنه خلقه في غيره، ولا يقوم بذاته لا كلام ولا غيره.

        وأما الأشاعرة فالكلام عندهم هو ما قام بذات الله تعالى، وهو كلام له حقيقة وليس بحرف ولا صوت، وأما ما بين دفتي المصحف فهو عبارة عن كلام الله تعالى، وليس هو حقيقة كلام الله.

        قال البيجوري في جوهرة التوحيد: (واعلم أن كلام الله يطلق على الكلام النفسي القديم بمعنى أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وعلى الكلام اللفظي بمعنى أنه خلقه .... ومع كون اللفظ الذي نقرأه حادثاً لا يجوز أن يقال: القرآن حادث إلا في مقام التعليم .... وقد أضيف له تعالى كلام لفظي كالقرآن، فإنه كلام الله قطعاً بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ، فدل التزاماً على أن له تعالى كلاماً نفسياً، وهذا هو المراد بقولهم: القرآن حادث ومدلوله قديم .... ومذهب أهل السنة –يقصد الأشاعرة- أن القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرأه فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق يراد به اللفظ الذي نقرأه إلا في مقام التعليم، لأنه ربما أوهم أن القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق، ولذلك امتنعت الأئمة من القول بخلق القرآن .... فالقرآن يطلق على كل من النفسي واللفظي، والأكثر إطلاقه على اللفظي .... والراجح أن المنزل اللفظ والمعنى، وقيل المنزل: المعنى وعبر عنه جبريل بألفاظ من  عنده، وقيل: المنزل المعنى وعبر عنه النبي r بألفاظ من عنده، لكن التحقيق الأول، لأن الله خلقه أولاً في اللوح المحفوظ، ثم أنزله في صحائف إلى سماء الدنيا ..)[83] اهـ.

وهذا يعني اتفاق الأشاعرة والمعتزلة في أن القرآن العربي المقروء، والموجود بين دفتي المصحف مخلوق، وأن الخلاف الوحيد بين الأشاعرة والمعتزلة هو في إثبات الكلام النفسي أو نفيه، فلو اعترف المعتزلة به لانتهى الخلاف !!

وقد نص على هذه الحقيقة أئمة الأشعرية:

قال الجويني في خلاف الأشاعرة والمعتزلة في مسألة الكلام: (واعلموا بعدها أن الكلام مع المعتزلة، وسائر المخالفين في هذه المسألة يتعلق بالنفي والإثبات، فإن أثبتوه وقدروه كلاماً، فهو في نفسه ثابت، وقولهم –أي المعتزلة-: إنه –أي القرآن المقروء- كلام الله، إذا رُد إلى التحصيل آل الكلام إلى اللغات والمسميات، فإن معنى قولهم –أي المعتزلة- "هذه العبارات كلام الله" أنها خلقه، ونحن لا ننكر أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلماً به، فقد أطبقنا على المعنى، وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته.)[84] اهـ.

وقال الشهرستاني: (وخصومنا –أي المعتزلة- لو وافقونا على أن الكلام في الشاهد معنى في النفس سوى العبارات القائمة باللسان، وأن الكلام في الغائب معنى قائم بذات الباري تعالى سوى العبارات التي نقرؤها باللسان ونكتبها في المصاحف، لوافقونا على اتحاد المعنى، لكن لما كان الكلام لفظاً مشتركاً في الإطلاق لم يتوارد على محل واحد، فإن ما يثبته الخصم كلاماً –أي القرآن- فالأشعرية تثبته وتوافقه على أنه كثير وأنه محدث مخلوق، وما يثبته الأشعري كلاماً -أي النفسي- فالخصم ينكره أصلاً ..)[85] اهـ.

        وقال التفتازاني[86] في شرح العقائد النسفية: (وتحقيق الخلاف بيننا وبينهم – أي المعتزلة – يرجع إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف، وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي. ... وأما استدلالهم بأن القرآن متصف بما هو من صفات المخلوق وسمات الحدوث، من: التأليف، والتنظيم، والإنزال، وكونه عربياًَ، مسموعاً، فصيحاً، معجِزاً، إلى غير ذلك: فإنما يقوم حجة على الحنابلة – أي الذين يرون أن القرآن الموجود بين دفتي المصحف كلام الله على الحقيقة – لا علينا، لأنا قائلون بحدوث النظم، وإنما الكلام في المعنى القديم)[87] اهـ.

        وقال محمد زاهد الكوثري: (لأن القرآن يطلق على ما قام بالله من الألفاظ العلمية الغيبية وهو غير مخلوق وغير حال في مخلوق، وعلى المكتوب بين الدفتين، وعلى المحفوظ في القلوب من الألفاظ الذهنية، وعلى الملفوظ بالألسن على سبيل الاشتراك اللفظي عنده –أي الباقلاني-، والقرينة هي التي تعين المراد منها في كل موضع، وما سوى الأول مخلوق، وهذا البحث أنضج عند المتأخرين من أئمة الأشاعرة.)[88] اهـ.

        وقال البوطي في "كبرى اليقينيات الكونية" في باب "جوهر الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة" : (ثم المعتزلة فسروا هذا الذي أجمع السلمون على إثباته لله تعالى –أي صفة الكلام- بأنه أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم. ثم إنهم لم يثبتوا لله تعالى شيئاً آخر من وراء هذه الأصوات والحروف، تحت اسم: الكلام.

        أما جماهير المسلمين، أهل السنة والجماعة، فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة –أي أن القرآن المقروء والموجود بين دفتي المصحف مخلوق حادث-، بل نقول به، ونسميه كلاماً لفظياً ونحن جميعاً متفقون على حدوثه وأنه غير قائم بذاته تعالى، من أجل أنه حادث، ولكننا نثبت أمراً وراء ذلك وهو الصفة القائمة بالنفس والتي يُعبّر عنها بالألفاظ .... وهذا المقصود بإسناد الكلام إلى الله تعالى، وبه يفسر ما أجمع عليه المسلمون)[89] اهـ.

        وقال وهبي سليمان غاوجي: (قال علماء أصول الدين: أن الكلام ينقسم إلى قسمين: الأول: الكلام اللفظي، والثاني: الكلام النفسي.

        فأما اللفظي: فهو ذلك القرآن الكريم المنزل على سيدنا محمد، وكذا سائر الكتب المنزلة على الرسل عليهم السلام، ولا ريب في أن الكلام اللفظي مخلوق له تعالى.

        وأما النفسي: فهو صفة قديمة زائدة على ذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت، ويدل عليها الكلام اللفظي ..)[90] اهـ.

        وقد صرح بذلك الآمدي في "غاية المرام"، والإيجي في "المواقف".

        فتأمل يا رعاك الله هذه التصريحات بأن القرآن الذي نقرأه ونتلوه ونكتبه في المصاحف مخلوق، ليس هو عين كلام الله.

وهل هذا في حقيقته إلا قول الجهمية والمعتزلة!!!

وقال العلامة الملا جلال الدواني في شرحه للعقائد الضدية في بيان لوازم هذا القول الشنيع: (والأشاعرة قالوا: كلامه تعالى معنى واحد بسيط، قائم بذاته تعالى قديم، فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات. ولا نزاع بين الشيخ –أي: الأشعري- والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، وإنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه .... فالشيخ لما قال: هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده به مدلول اللفظ وهو القديم عنده، وأم العبارات فإنما سميت كلاماً مجازاً لدلالتها على ما هو الكلام الحقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه، ولكنها ليست كلاماً له تعالى حقيقة.

وهذا الذي فهموه له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم تكفير من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف، مع أنه عُلم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة، وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه تعالى حقيقة، إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطنين في الأحكام الدينية ..)[91] اهـ.

        ولذلك لما كانوا في حقيقة الأمر موافقين للجهمية والمعتزلة في القول بخلق القرآن الموجود بين دفتي المصحف، وخشية من الافتضاح، تراهم يدلسون فيطلقون القول المستفيض عن السلف: بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، ومرادهم بالقرآن: ما قام بذات الله تعالى من غير أن يكون مسموعاً مقروءاً، وأما القرآن المكتوب والمسطر فهو عبارة عن كلام الله لا أنه عين كلام الله، وهو مخلوق محدث.

        وانظر إلى تلبيس الأشعريّيْن في هذا الأمر وتمويههما أنهما موافقان للسلف في كون القرآن كلام الله غير مخلوق.

        فقالا (ص54): (فإن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو صفة من صفات ذاته العلية) اهـ.

        وبالطبع أن مرادهما بالقرآن هنا: الكلام النفسي، لا القرآن المعهود الذي بين دفتي المصحف والذي نقرأه آناء الليل وأطراف النهار. فإذا سمع السني هذا الكلام ظن أنهما موافقان للسلف في هذا الباب، وإذا استفصل منهما علم موافقتهما للمعتزلة والجهمية.

        وقد كشف عن حقيقة هذا التلبيس شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري فقال في سياق حقيقة موافقة الأشاعرة للجهمية في كثير من الأصول ومنها القول بخلق القرآن:

(وقال أولئك –يعني: الجهمية- ليس له كلام، إنما خلق كلاماً.

        وهؤلاء –يعني الأشاعرة- يقولون: تكلم مرة، فهو متكلم به منذ تكلم، لم ينقطع الكلام، ولا يوجد كلامه في موضع ليس هو به.

        ثم يقولون: ليس هو في مكان، ثم قالوا: ليس له صوت ولا حروف. وقالوا: هذا زاج وورق، وذها صوف وخشب، وهذا إنما قصد به النقش وأريد به التفسير.

        وهذا صوت القاري، أما ترى أنه منه حسن وغير حسن؟! وهذا لفظه، أوما تراه يجازى به حتى قال رأس من رؤوسهم: أويكون قرآن من لبد؟! وقال آخر: من خشب؟! فراوغوا فقالوا: هذا حكاية عبر بها عن القرآن والله تكلم مرة، ولا يتكلم بعد ذلك. ثم قالوا: غير مخلوق، ومن قال: مخلوق كافر.

        وهذا من فخوخهم، يصطادون به قلوب عوام أهل السنة، وإنما اعتقادهم في القرآت غير موجود لفظته الجهمية الذكور بمرة والأشعرية الإناث بعشر مرات)[92] اهـ.

























الفصل الرابع

إثبات صفة اليدين لله تعالى على الحقيقة لا على المجاز



        لقد تنوعت دلالات الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين لله تعالى، بما يمتنع معها حمل اليدين على المجاز، وقد أطبقت كلمة السلف رحمهم الله على إثبات اليدين لله تعالى صفة له في ذاته، ليستا بنعمتين ولا قدرتين، بل يدان ثابتتان لله تعالى على الحقيقة، بلا كيف ولا تشبيه.

        وأنا أذكر نماذج من تنوع الأدلة على إثبات صفة اليد لله تعالى:



التثنية:

        قال تعالى: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64.

        تثنية اليد المضافة إليه سبحانه تمنع من حملها على النعمة أو القدرة.



نسبة الفعل إليه سبحانه وتعديته إلى اليد بحرف الباء:

        قال: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75.

        نسب الفعل -وهو الخلق- إلى نفسه، ثم عدى الفعل إلى اليد، ثم ثناها، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قول القائل" كتبت بالقلم" و"ضربت بيدي"، ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز بوجه من الوجوه، إذا لا يكون هذا التركيب إلا ما باشرته اليد.

        قال أبو الحسن الزاغوني في "الإيضاح": (أنه أضاف "الخلق" وهو فعل يده سبحانه، والفعل متى أضيف إلى اليد فإنه لا يقتضي إضافة إلا إلى ما يختص بالفعل وليس إلا اليد كما ذكرنا، وهذا جلي واضح)[93] اهـ.

        وقال أبو الحسن الأشعري: (وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوماً في كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: {بيدي} ص75، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافَعَنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة، إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قِبَلها، لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: {بيدي} ص75، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي، يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه ولن يجد له سبيلا)[94] اهـ.



استعمال لفظ اليمين ووصفها بالطي

        قال تعالى: {والسموات مطويات بيمينه} الزمر67.

        وعن عبد الله بن عمرو t قال: قال r: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)[95].



وصفها بالقبض والهز

        قال تعالى: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} الزمر67.

        وعن أبي هريرة t سمعت رسول الله r يقول: (يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض)[96].

        فها هنا: هز، وقبض، وطي، وذكر يدين.



وصفها بالبسط

        قال تعالى: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64.

        وعن أبي موسى t عن النبي r قال: (إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)[97].

وصفها بالكف والأخذ

        عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: (ما تصدق أحد بصدقة من طيّب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فَلُوّه أو فصيله). وفي لفظ (من كسب طيب)[98].  

        فها هنا: أخذ، وذكر كف ويمين.



وصفها بالنضح

        عن لقيط بن عامر t في الحديث الطويل عن النبي r وفيه: (فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما تخطي وجه واحد منكم قطرة، فأما المؤمن فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الأسود)[99].



وصفها بالشمال

        عن عبد الله بن عمر t قال: قال رسول الله r: ( يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)[100].



وصفها بالأصابع

        عن عبد الله t قال: (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله r فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي r حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله r {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} الزمر67)[101].



وصفها بأنها ملئى، وبأنها أخرى

        عن أبي هريرة t: أن رسول الله r قال: (يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يده، وقال: وكان عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع)[102].

        فها هنا: وصف بأنها ملئى، وسحاء، وأنها أخرى.



        ومن المعلوم أن لفظ: الطي، والقبض، والهز، والبسط، والإمساك، والنضح، وكونها ملئى، وسحاء، إذا اقترنت باليد صار المجموع حقيقة، وامتنع من أن يكون مجازاً، إذ أن اليد المجازية لا يقترن بها ما يدل على اليد حقيقة كهذه الألفاظ. فإذا انضاف إلى ذلك أن ذُكر لها: أصابع، وكف، ويمين، وشمال، وأخرى، فهذا مما يُقطع معه أن اليد حقيقة، لأن اليد المجازية لا يُتجاوز فيها لفظ اليد، ولا يُتصرف فيها بما يُتصرف في اليد الحقيقية. فلا يقال: كف، لا للنعمة ولا للقدرة، ولا أصبع وأصبعان، ولا يمين، ولا شمال، وهذا كله ينفي أن يكون اليد يد النعمة، أو يد القدرة، أو يد التصرف.

        فمن ادعى بعد هذا أن اليد المضافة إلى الله تعالى مجاز، فلا حقيقة في الوجود!!!

        وبهذا يتبين  أن صفة اليد لله تعالى حقيقة لا مجاز، ولا يأبى ذلك إلا مكابر.

        ومما يؤكد هذا أن يُقال: أن اليد لغة لا تضاف إلا لذي يد، فيد القدرة والنعمة لا يُعرف استعمالها البتة إلا في حق من له يد حقيقة، وموارد استعمالها مطردة في ذلك، ولا يعرف العرب خلاف ذلك. فحيث ذكرت اليد وأضيفت إلى حي متصف بصفات الأحياء وأريد بها النعمة أو القدرة، فإن هذا مستلزم ثبوت أصل اليد له حقيقة حتى يصح استعمالها في مجازاتها، فإذا امتنعت حقيقة اليد امتنع استعمالها فيها، فثبوت المعنى المجازي دليل على ثبوت حقيقة اليد.

        قال عثمان بن سعيد الدارمي: (فإن لم يكن المضاف إلى يده من ذوي الأيدي، يستحيل أن يُقال: بيده شيء من الأشياء .... فيجوز أن يُقال: بين يدي كذا وكذا كذا كذا، لما هو من ذوي الأيدي، وممن ليس من ذوي الأيدي. ولا يجوز أن يُقال: بيده، إلا لمن هو من ذوي الأيدي..)[103] اهـ.

        ولا يَرِد على هذا قول العرب: "يد الليل" و"يدي الرحمة"، لأنا قلنا: متى أضيفت اليد المجازية إلى الحي دون غيره، استلزمت اليد الحقيقية.

        على أنه يُقال: أن المضاف من جنس المضاف إليه، فإذا أضيفت اليد إلى الحيوان كانت من جنسه، وإذا أضيفت إلى الحائط أو الليل كانت من جنسهما. فإذا كان المضاف إليه لا يماثل غيره لزم أن يكون المضاف كذلك ضرورة، فإذا قيل يد الله كان ذلك حقيقة غير مستلزم للتشبيه.







وأما نصوص السلف فقد سبق ذكر بعضها:



~ الإمام التابعي حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسي (82 هـ)

        قال: (إن الله تبارك وتعالى لم يمس بيده من خلقه غير ثلاثة أشياء خلق الجنة بيده ثم جعل ترابها الورس والزعفران وجبالها المسك وخلق آدم بيده وكتب التوراة لموسى)[104] اهـ.

        وهذا صريح في إثبات حقيقة اليد لله تعالى.



~ زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (93 هـ)

        قال مستقيم: قال كنا عند علي بن حسين ،قال: فكان يأتيه السائل، قال: فيقوم حتى يناوله، ويقول: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، قال: وأومأ بكفيه)[105] اهـ.



~ التابعي العابد خالد بن معدان الكلاعي الحمصي (103 هـ)

        قال: «إن الله عز وجل لم يمس بيده إلا آدم صلوات الله عليه خلقه بيده، والجنة، والتوراة كتبها بيده»[106] اهـ.



~ عكرمة أبو عبد الله مولى بن عباس (104 هـ)

        قال: «إن الله عز وجل لم يمس بيده شيئا إلا ثلاثاً: خلق آدم بيده، وغرس الجنة بيده ، وكتب التوراة بيده»[107] اهـ.

        وقال أيضاً: (قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64: يعني اليدين)[108] اهـ.



~  الإمام التابعي ربيعة الخرشي

        قال في قول الله تعالى: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} الزمر67، قال: (ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء)[109] اهـ.

        وهذا صريح في إثبات حقيقة اليد لله، وأنها ليست النعمة أو القدرة.

~ الإمام التابعي عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة (117 هـ)

        قال نافع بن عمر الجمحي: (سألت ابن أبي مليكة عن يد الله: أواحدة أو اثنتان؟ قال: بل اثنتان.)[110] اهـ.



        وهذا أيضاً بيّن في إثبات حقيقة اليد لله عز وجل، وإبطال حملها على المجاز والقول بأنها النعمة أو القدرة.



فرع: تقرير إثبات صفة اليد لله على الحقيقة من كلام أبي الحسن الأشعري

        قد سبق نقل كلام أبي الحسن الأشعري في إثبات صفة اليدين لله تعالى، والمنع من تأويلها بالقدرة أو النعمة، وإبطال ذلك. فقد عقد فصلاً كاملاً في إثباتها والرد على من تأولها في كتابه "الإبانة".









 خلاصة الفصل:

        أولاً: إثبات صفة اليد لله تعالى حقيقة، وأنها موصوفة بالقبض، والبسط، والهز، والطي، والنضح، والأخذ، وهي ملئى سحاء الليل والنهار، ولها كف وأصابع، ويمين وشمال. وأنهما يدان اثنتان. وعلى هذا إجماع السلف وصالح الخلف.

        ثانياً: أن طريقة السلف في إثبات صفة اليد لله تعالى هي طريقتهم في باقي الصفات الخبرية: كالوجه، والعينين، والقدم، والساق، والكف، ونحوها، يثبتونها على ظاهرها من غير تشبيه ولا تكييف، ويمنعون من تأويلها وإخراجها عن حقيقتها.

        ثالثاً: موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في إثبات صفة اليدين لله تعالى على الحقيقة، والمنع من تأويلها، بل وكل الصفات الخبرية لله تعالى، كما سبق نقل كلامه.

        رابعاً: أن الذين عُرف عنهم تأويل صفة اليدين وإخراجهما عن حقيقتهما هم المعطلة من الجهمية والمعتزلة، وهذه طريقتهم في كل الصفات الخبرية لله تعالى كالوجه وغيره.

        خامساً: موافقة الأشاعرة للجهمية في نفي حقيقة اليد عن الله تعالى، وتأويلها وإخراجها عن ظاهرها، وأنهم جهمية في هذا الباب من الصفات:

         قال أبو منصور عبد القاهر البغدادي الأشعري في "أصول الدين": (وقد تأول بعض أصحابنا هذا التأويل –أي: تأويل اليد بالقدرة- وذلك صحيح على المذهب)[111] اهـ.

        وقال في صفة الوجه والعينين لله تعالى: (والصحيح عندنا أن وجهه: ذاته، وعينه: رؤيته للأشياء)[112] اهـ.

        وقال أبو المعالي الجويني في "الإرشاد" في فصل "اليدان والعينان والوجه": (والذي يصح عندنا: حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود)[113] اهـ.

        وقال الأشعريان (ص196): (فترى جمهور السلف لاحتمال اللفظ أكثر من معنى لديهم –أي: المعاني المجازية لا حقيقة الصفة- يتوقفون عن تعيين أحدها مكتفين بالفهم الإجمالي ......{بل يداه مبسوطتان} المائدة64، أن الله تعالى جواد كريم .... ويفهمون من قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} الفتح10، النصرة والثواب، وهكذا، ..... بيد أن هذا لا يمنع البعض منهم رضي الله عنهم من التصريح ببعض هذه المعاني –أي المجازية-...) اهـ.

        ونقول: إذا كان السلف يتوقفون كما زعمتم فما بالكم تجاسرتم!!

        وقد سبق الرد على هذه الأغلوطات في خلاصة الفصل الأول من الباب الأول، وبينا أن حقيقة هذا القول الذي نسبوه إلى السلف هو الجهل بالمعنى.

        ونقل الأشعريان عن ابن خلدون قوله (ص199-201): (وأما لفظ الاستواء، والمجيء، والنزول، والوجه، واليدين، والعينين، وأمثال ذلك، فعدلوا عن حقائقها اللغوية لما فيها من إيهام النقص بالتشبيه إلى مجازاتها على طريقة العرب حين تتعذر حقائق الألفاظ، فيرجعون إلى المجاز ..) ثم قالا: (وهذا الذي قرره وحرره العلامة ابن خلدون هو ما أطبقت عليه الأمة) اهـ.

        فيا لله العجب، أي أمة هذه التي أطبقت على مثل هذا!!!

        وفي أي كتاب وجدتم قول واحد من السلف فضلاً عن جميعهم!!

        وبعد كل هذا: يتبين بطلان ما زعمه الأشعريان من موافقة الأشاعرة للسلف، وفساد هذه الدعاوى العريضة التي لا مستند لها إلا الأوهام والخيالات.

        ويكفي في إبطال قولهم ورده ما قاله إمامهم الذين ينتسبون إليه وهو أبو الحسن الأشعري في كتاب "الإبانة"، حيث أبطل جميع هذه المجازات في صفة اليد لله، وأنكر على أهلها، وجعلهم من المعطلة المخالفين للكتاب والسنة والإجماع واللغة.

        فوازن بين أقوال الجهمية، وبين أقوال الأشاعرة في هذا الباب من الصفات، فإنك لا تجد بينهما فرقاً، فالفريقان قد اتفقا على نفي حقائقها عن الله تعالى، وتعيّن حملها على المجاز!. فلا أدري أيهما أحق بانتساب الأشاعرة إليهم: السلف أم الجهمية !!

الفصل الخامس

إثبات صفة النزول لله تعالى على الوجه اللائق به من غير تشبيه ولا تكييف



        اتفق أهل السنة والجماعة على إثبات صفة النزول لله تعالى، وأنه ينزل متى شاء، كيف شاء، نزولاً يليق بجلاله، لا يشبه نزول المخلوق، وأن نزوله صفة فعل له سبحانه.

        وقد تواترت الأخبار عن رسول الله r في ذكر نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا، ورواه نحو ثمانية وعشرين نفساً من الصحابة، وأفرد فيها العلماء مؤلفات مستقلة وجمعوا طرق أحاديثها، منهم الحافظ الدارقطني، وأبو بكر الصابوني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ الذهبي وغيرهم.

        ولم يخل مصنف في السنة من تبويب إثبات صفة النزول لله تعالى، كالسنة لابن أبي عاصم، ولعبد الله بن الإمام أحمد، والتوحيد لابن خزيمة، وكتب الرد على الجهمية، للدارمي، وابن مندة، وابن أبي حاتم، وغيرها كثير.

        وقد تنوعت الدلالات في إثبات صفة النزول لله تعالى مما يمنع حملها على المجاز، وتتعين بها حقيقة النزول المعروف لغة: وهو ما كان من أعلى. وإليك بعض دلالاتها:



لفظ النزول

        عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر)[114].

        ها هنا خمسة ألفاظ تنفي المجاز وتؤكد الحقيقة:

        الأول: نسبة النزول إليه سبحانه (ينزل الله).

        الثاني: نسبة القول إليه (فيقول).

        الثالث: وصفه لنفسه بقوله: (أنا الملك، أنا الملك).

        الرابع: أمره العباد بما لا يجوز إلا له: (من ذا يدعوني، يسألني، يستغفرني؟).

        الخامس: ذكر أفعاله التي ليست لأحد غيره: (فأستجيب له، فأعطيه، فأغفر له).



لفظ الهبوط

        عن عبد الله بن مسعود t عن النبي r قال: (إذا كان ثلث الليل الباقي يهبط الله عز وجل إلى السماء الدنيا ثم تفتح أبواب السماء ثم يبسط يده فيقول: هل من سائل يعطى سؤله؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر)[115].

        وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: (إذا ذهب ثلث الليل الأول هبط الله إلى السماء الدنيا، فلا يزال بها حتى يطلع الفجر، يقول: قائل ألا من داع فيستجاب له، ألا من مريض يستشفي فيشفى، ألا من مذنب يستغفر فيغفر له)[116].



التصريح بأنه تعالى هو السائل لا غيره

        عن رفاعة بن عرابة الجهني t قال: قال رسول الله r: (إذا مضى من اليل نصفه، أو ثلثاه، هبط الله إلى السماء الدنيا، ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له، من ذا الذي يدعوني استجب له، من ذا الذي يسألني أعطيه، حتى يطلع الفجر)[117].



التصريح بالصعود بعد الهبوط

        عن الأغر أبي مسلم قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما: يشهدان لي على رسول الله r أنه قال: (إذا ذهب ثلث الليل الأوسط، هبط الرب تعالى إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ حتى يطلع الفجر، ثم يصعد إلى السماء)[118].



وقد وصف الله تعالى نفسه بما يؤكد حقيقة النزول وينفي المجاز:



وصف نفسه بالإتيان

        قال تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} الأنعام158.

        ففرّق بين إتيان الملائكة، وإتيان أمره، وإتيان نفسه.

        وقال: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} البقرة210.

        ففرّق بين إتيان الملائكة، وإتيان نفسه.

وصف نفسه بالمجيء

        قال تعالى: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} الفجر22.

        ففرّق بين مجيئه وبين مجيء الملائكة.



وصفه تعالى بالدنو

        عن أنس بن مالك t عن النبي r في حديثه الطويل في ذكر الإسراء والمعراج وفيه: (ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة)[119].



        ومعلوم أن تنوع الدلالات لمعنى النزول يمنع حمله على المجاز، ويؤكد إرادة الحقيقة. فنزول، وهبوط، وصعود، وإتيان، ومجيء، وتدلٍّ، ونداء العباد بـ: أنا الملك، ولا أسأل عن عبادي غيري. وترغيب بـ: من يدعوني، من يستغفرني، من يسألني، ومجازاة بـ: فأستجيب له، فأغفر له، فأعطيه.

        أفمع كل هذا التنوع والتصرف في الألفاظ والدلالات، يمكن أن يكون النزول مجازاً، سبحانك هذا بهتان عظيم!!

        وقد أطبقت كلمة السلف والأئمة على إثبات صفة النزول لله تعالى على الحقيقة لا على المجاز:



~ الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150 هـ)

        قال في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف)[120] اهـ.





~ الإمام الحافظ الحجة حماد بن سلمة بن دينار البصرى أبو سلمة (167 هـ)

        روى عبد العزيز بن المغيرة عن حماد بن سلمة: أنه حدثهم بحديث نزول الرب عز وجل فقال: (من رأيتموه ينكر هذا فاتهموه)[121] اهـ.



~ الإمام الحافظ حماد بن زيد (179 هـ)

        سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء «ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا»، قال: (حق، كل ذلك كيف شاء الله)[122] اهـ.



~ الفضيل بن عياض (187هـ)

        قال الفضيل بن عياض: (وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فاذا قال الجهمى: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء)[123] اهـ.

        وهذا ظاهر في إثبات النزول الحقيقي لله، الذي يلزم من إثباته عند الجهمية زوال الله عن مكانه، ولذلك أجاب بهذا الجواب، فإن الله ليس كمثله شيء، ولا كنزوله نزول شيء.



~ الإمام الحافظ يحيى بن معين (233 هـ)

        قال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: (قال يحيى بن معين: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل: كيف صعد)[124] اهـ.

        وقال ابن وضاح: (سألت يحيى بن معين عن التنزل؟ فقال: أقر به ولا تحد فيه بقول. قال: وقال لي ابن معين: صدق به ولا تصفه.)[125] اهـ.

        وجعله الصعود مقابلاً للنزول صريح في إثبات حقيقة النزول لله تعالى.



~ الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (238 هـ)

        روى الحاكم بإسناده عن أحمد بن سعيد بن إبراهيم بن عبدالله الرباطي قال: (حضرت مجلس الأمير عبدالله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق ابن إبراهيم، يعني ابن راهويه، فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟. قال: نعم. فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم. قال: كيف ينزل؟.

        فقال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول.

        فقال الرجل: أُثبته فوق.

        فقال إسحاق: قال الله عز وجل: {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22.

        فقال الأمير عبد الله: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة.

        فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟)[126] اهـ.

        وهذا صريح في إثبات النزول لله تعالى على الحقيقة، ولذلك قال لمن أنكر النزول: "أثبته فوق". لأن من لا يؤمن بعلو الله تعالى، لا يقر بنزوله. وهذا يدل على أن النزول الذي وصف الله نفسه به هو على حقيقته، وهو ما كان من أعلى.

        وقال الذهبي: (وقال أبو العباس السراج سمعت إسحاق الحنظلي يقول: (دخلت على طاهر بن عبد الله بن طاهر، وعنده منصور بن طلحة، فقال لي منصور يا أبا يعقوب تقول أن الله ينزل كل ليله؟.

        قلت: نؤمن به، إذا أنت لا تؤمن أن لك في السماء رباً لا تحتاج أن تسألني عن هذا. فقال له طاهر الأمير: ألم أنهك عن هذا الشيخ.)[127] اهـ.

        وقال الذهبي: (وورد عن إسحاق أن بعض المتكلمين قال له: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء. فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء اهـ.

        ثم قال الذهبي معلقاً: قلت هذه الصفات من الاستواء، والإتيان، والنزول، قد صحت بها النصوص ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل، بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها، فإن في ذلك مخولة للرد على الله ورسوله، أو حوماً على التكييف أو التعطيل.)[128] اهـ.

        وقال أحمد بن علي الآبار: (إن عبد الله بن طاهر قال لإسحاق بن راهويه: ما هذه الأحاديث التي يحدث بها أن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا والله يصعد وينزل؟!

قال فقال له إسحاق: تقول إن الله يقدر على أن ينزل ويصعد ولا يتحرك؟

 قال: نعم.

قال: فلم تنكر؟!)[129] اهـ.

وجَعْلُ إسحاق الصعود مقابلاً للنزول ظاهرٌ في أن نزول الله تعالى حقيقة لا مجاز.

وقال إسحاق مؤصلاً: (لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقول الله تعالى: {لا يُسأل عما يفعل وهم يُسئلون} الأنبياء23، ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله بصفاته وفعاله بفهم كما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله عز وجل موصوفاً بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما يشاء، ولا يُسأل كيف نزوله، لأن الخالق يصنع ما شاء كما يشاء)[130] اهـ.



~ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)

        قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: (ينزل ربنا وجل كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا" أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح.

        وقال إسحاق: قال إسحاق بن راهويه: ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي)[131] اهـ.

        وقال أحمد بن الحسين بن حسان: (قيل لأبي عبد الله: "إن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة"؟ قال: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قال: نعم.

        وقال يوسف بن موسى: قيل أبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم.)[132] اهـ.

        وقال القاضي أبو يعلى: (وقال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله عز وجل ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يخلو منه العرش.

        قال القاضي معلقاً: فقد صرح أحمد أن العرش لا يخلو منه، وهكذا القول عندنا في قوله {وجاء ربك والملك} الفجر22، والمراد به مجيء ذاته لا على وجه الانتقال.)[133] اهـ.

        وقول الإمام أحمد أنه ينزل ولا يخلو منه العرش ظاهر في أن النزول حقيقة، وأنه نزول الله تعالى لا نزول أمره، ولا نزول ملك. ومعلوم أن من لا يعتقد أن الله فوق العرش فهو لا يعتقد نزوله، لا بخلو، ولا بغير خلو.  

        قال حنبل بن إسحاق: (سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تروى عن النبي r: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا»، فقال أبو عبد الله: (نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد شيئا منها إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله قوله، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق.

        حتى قلت لأبي عبد الله: «ينزل الله إلى سماء الدنيا» قال: قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟

        فقال لي: اسكت عن هذا، مالك ولهذا، أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، إنما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب قال الله عز وجل: {فلا تضربوا لله الأمثال} النحل74، ينزل كيف يشاء، بعلمه، وقدرته، وعظمته، أحاط بكل شيء علماً، لا يبلغ قدره واصف ولا ينأى عنه هرب هارب)[134] اهـ.



~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)

        قال في "الرد على المريسي" في تحقيق نزول الله بنفسه: (فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته ... إلى أن قال: وهذا أيضاً من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان)[135] اهـ.

        ومعلوم أن السلف لو لم يكونوا يعتقدون نزوله تعالى بنفسه، لكانوا هم والجهمية سواء.

        وقال في "الرد على الجهمية": (فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب تبارك وتعالى في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة فعارضت آثار رسول الله r برد، وتشمروا لدفعها بجد، فقالوا: كيف نزوله هذا؟   قلنا : لم نكلف معرفة كيفية نزوله في ديننا، ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلاً أو صفة بفعالهم وصفتهم، ولكن ينزل بقدرته ولطف ربوبيته كيف يشاء، فالكيف منه غير معقول، والإيمان بقول رسول الله r في نزوله واجب، ولا يسأل الرب عما يفعل كيف يفعل وهم يسألون، لأنه القادر على ما يشاء أن يفعله كيف يشاء، وإنما يقال لفعل المخلوق الضعيف الذي لا قدرة له إلا ما أقدره الله تعالى عليه: كيف يصنع؟ وكيف قدر؟ .

        ولو قد آمنتم باستواء الرب على عرشه، وارتفاعه فوق السماء السابعة بدءاً إذ خلقها، كإيمان المصلين به، لقلنا لكم: ليس نزوله من سماء إلى سماء بأشد عليه، ولا بأعجب من استوائه عليها إذ خلقها بدءاً،  فكما قدر على الأولى منهما كيف يشاء، فكذلك يقدر على الأخرى كيف يشاء.

        وليس قول رسول الله r في نزوله بأعجب من قول الله تبارك وتعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} البقرة210. ومن قوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22. فكما يقدر على هذا يقدر على ذاك.

        فهذا الناطق من قول الله عز وجل، وذاك المحفوظ من قول رسول الله r بأخبار ليس عليها غبار، فإن كنتم من عباد الله المؤمنين، لزمكم الإيمان بها، كما آمن بها المؤمنون، وإلا فصرحوا بما تضمرون، ودعوا هذه الأغلوطات التي تلوون بها ألسنتكم، فلئن كان أهل الجهل في شك من أمركم، إن أهل العلم من أمركم لعلى يقين)[136] اهـ.

        وقال بعد ذلك كلاماً مهماً يمثل قاعدة من قواعد أهل السنة وهو قوله: (قد علمتم ذلك ورويتموها –أي أحاديث النزول وآثار الصحابة والتابعين- كما رويناها إن شاء الله، فائتوا ببعضها أنه لا ينزل منصوصاً كما روينا عنهم النزول منصوصاً حتى يكون بعض ما تأتون به ضداً لبعض ما أتيناكم به، وإلا لم يُدفع إجماع الأمة ةما ثبت عنهم في النزول منصوصاً بلا ضدٍ منصوصٍ من قولهم، أو من قول نظرائهم، ولم يُدفع شيء بلا شيء، لأن أقاويلهم ورواياتهم شيء لازمٌ وأصل منيع، وأقاويلكم ريح ليست بشيء. ولا يلزم أحداً منها شيء إلا أن تأتوا فيها بأثر ثابت مستفيض في الأمة كاستفاضة ما روينا عنهم، ولن تأتوا به أبداً ..)[137] اهـ.

        فدونك هذا الأصل العظيم، عض عليه بالنواجذ، واعمل به في كل ما يدعيه أهل التأويل والتحريف في صفات الله تعالى.



~ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن وضاح المرواني (287 هـ)

        قال: (كل من لقيت من أهل السنة يصدق بها، لحديث التنزل.)[138] اهـ.

        ومعلوم قطعاً أن النزاع لم يكن في إثبات أحاديث النزول، وإنما في إثبات حقيقتها لله تعالى، وهو الأمر الذي تنكره الجهمية وتتأوله.

~ أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي (295 هـ)

        قال والد أبي حفص بن شاهين: حضرت أبا جعفر، فسئل عن حديث النزول، فقال: (النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)[139] اهـ.



~ الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310 هـ)

        قال: (قيل له –أي للمعطل-: فما أنكرت من الخبر الذي روي عن النبي r: "أنه يهبط إلى السماء الدني فينزل إليها"؟

        فإن قال: أنكرت ذلك، أَنَّ الهبوط نقلة، وأنه لا يجوز عليه الانتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك من صفات الأجسام المخلوقة.

        قيل له: فقد قال جل ثناؤه {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22، فهل يجوز عليه المجيء؟ فإن قال: لا يجوز ذلك عليه، وإنما معنى هذا القول: وجاء أمر ربك.

        قيل: قد أخبرنا تبارك وتعالى أنه يجيء هو والملَك، فزعمت أنه يجيء أمره لا هو، فكذلك تقول: أن الملك لا يجيء، إنما يجيء أمر الملَك لا الملَك، كما كان معنى مجيء الرب تبارك وتعالى مجيء أمره.

        فإن قال: لا أقول ذلك في الملَك، ولكني أقول في الرب.

        قيل له: فإن الخبر عن مجيء الرب تبارك وتعالى والملَك خبر واحد، فزعمت في الخبر عن الرب تعالى ذكره أنه يجيء أمره لا هو، فزعمت في الملك أنه يجيء بنفسه لا أمره، فما الفرق بينك وبين من خالفك في ذلك فقال: بل الرب هو الذي يجيء، فأما الملك فإنما يجيء أمره لا هو بنفسه؟!

        فإن زعم أن الفرق بينه وبينه: أن الملك خلق لله جائز عليه الزوال والانتقال، وليس ذلك على الله جائزاً.

        قيل له: وما برهانك على أن معنى المجيء والهبوط والنزول هو النقلة والزوال، ولا سيما على من يزعم منكم ان الله تقدست أسماؤه لا يخلو منه مكان. وكيف لم يجز عندكم أن يكون معنى المجيء والهبوط والنزول بخلاف ما عقلتم من النقلة والزوال من القديم الصانع، وقد جاز عندكم أن يكون معنى العالم والقادر منه بخلاف ما عقلتم ممن سواه، بأنه عالم لا علم له، وقادر لا قدرة له؟ .... إلى أن قال: فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟

        قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا جل جلاله يوم القيامة والملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقت، ما دامت موجودة باقية.)[140] اهـ.



~ إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)

        قال في تحقيق صفة النزول لله: (باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي r في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة، نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية، لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، أعلمنا أنه ينزل والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه عليه السلام بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه، من أمر دينهم فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي r لم يصف لنا كيفية النزول وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح : أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا r أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل)[141] اهـ.





~ الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الشافعي (360 هـ)

        قال: (باب الإيمان والتصديق بأن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة قال محمد بن الحسين رحمه الله: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة، وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف، لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله r: «أن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة» والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، فكما قبل العلماء عنهم ذلك كذلك قبلوا منهم هذه السنن، وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث، يحذرونه ويحذرون منه)[142] اهـ.



~ أبو الحسن علي بن عمر الحربي السكري (386 هـ)

        قال في كتاب "السنة" : (أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، قال النبي r، من غير أن يقال: كيف؟. فإن قيل: يَنزِل أو يُنزِل؟ قيل: يَنزل بفتح الياء وكسر الزاي. ومن قال: يُنزل بضم الياء فقد ابتدع. ومن قال: يُنزل ضياءاً ونوراً فهذا أيضاً بدعة، وردّ على النبي r)[143] اهـ.



~ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (384 هـ)

        قال: (فنقول كما قال: "ينزل ربنا عز وجل" ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله)[144] اهـ.



~ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (399 هـ)

        قال فى باب "الإيمان بالنزول" قال: (ومن قول أهل السنة: أن الله ينزل الى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك، من غير أن يحدوا فيه حداً،) -وذكر الحديث من طريق مالك وغيره الى أن قال: (وأخبرنى وهب عن ابن وضاح عن الزهرى عن ابن عباد قال: ومن أدركت من المشائخ: مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك، ووكيع، كانوا يقولون: إن النزول حق. قال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدى عن النزول؟ قال: نعم أومن به، ولا أحدّ فيه حداً. وسألت عنه ابن معين؟ فقال: نعم أقر به ولا أحد فيه حداً.

        قال محمد: وهذا الحديث يبين أن الله عز وجل على العرش فى السماء دون الأرض، وهو أيضاً بيّن فى كتاب الله، وفى غير حديث عن رسول الله)[145] اهـ.

        واستدلاله بحديث النزول على على الله تعالى وأنه فوق عرشه، صريح في إثبات النزول حقيقة، وهو ما كان من أعلى.



~ شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)

        قال رحمه الله في إثبات حقيقة النزول والرد على من تأولها أو كيفها: (وقال بعضهم- أي السلف-: "ينزل نزولا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق، بل بالتجلي والتملي، لأنه جل جلاله منزه أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما كان منزهاً أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف ...) إلى أن قال: (فلما صح خبر النزول عن الرسول r أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله r، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا، ولعنهم لعناً كثيراً.

        وقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله عز وجل {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22، قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه، فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب)[146] اهـ.

        وما ذكره عن حماد بن أبي حنيفة صريح في أن مجيء الله عز وجل المذكور في الآية هو المجيء المعروف في اللغة الذي من أصل معناه المجئ المضاف إلى الملائكة، مع التباين في الحقيقة والكيفية، إذ ليس كمثل مجيئه سبحانه مجيء شيء.



~  الإمام الحافظ أبو مسعود عبد الجليل بن محمد الأصبهاني كوتاه (553 هـ)

        قال الذهبي: (قال السمعاني: لما وردت أصبهان، كان ما يخرج من داره إلا لحاجة مهمة، كان شيخه إسماعيل الحافظ هجره ومنعه من حضور مجلسه لمسألة جرت في النزول، وكان كوتاه يقول: النزول بالذات، فأنكر إسماعيل هذا وأمره بالرجوع عنه فما فعل.)

        قال -الذهبي معلقاً-: ومسألة النزول، فالإيمان به واجب، وترك الخوض في لوازمه أولى، وهو سبيل السلف، فما قال هذا: نزوله بذاته إلا إرغاماً لمن تأوله وقال: نزوله إلى السماء بالعلم فقط، نعوذ بالله من المراء في الدين)[147] اهـ.



~ أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (561 هـ)

        قال في كتابه "الغنية": (وأنه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف شاء وكما شاء، فيغفر لمن أذنب، لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه كما ادعته المعتزلة والأشعرية للأحاديث الصحيحة في ذلك ... ثم ذكر آثار السلف)[148] اهـ.







~ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (600 هـ)

        قال: (وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي عنه حقيقة النزول)[149] اهـ.

~ الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)

        قال: (وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض. وأن الرسول r أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.)[150] اهـ.

        وهذا ظاهر في أن النزول الثابت لله في الثلث الأخير من الليل هو على حقيقته اللائقة بالله، وهو ما كان من علو، ولذلك أورد المعترضون من أهل البدع على إثبات حقيقته من أنه يلزم منه أن يكون الله نازلاً على الدوام، لما انقدح في أذهانهم من التشبيه، وهو غير لازم إذ {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.



        فمن ادعى بعد هذه النصوص المستفيضة: أن السلف متفقون على تأويل النزول، وأنه لا يراد به الحقيقة، وأن منهم من يسكت، ومنهم من يصرح بالمعنى المجازي، فلا ريب أنه قال بالكذب والبهتان، وحاله كحال من ينكر الشمس في رابعة النهار

        وهل يصح في الأذهان شيء    إذا احتاج النهار إلى دليل



فرع: إثبات صفة النزول الحقيقي لله من كلام أبي الحسن الأشعري



        قال في سياق معتقده الموافق لأهل الحديث: (ونصدق جميع الروايات التي التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب عز وجل يقول: (هل من سائل، هل من مستغفر) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قاله أهل الزيغ والتضليل)[151] اهـ.

        ومعلوم أن أهل الزيغ في هذه الصفة هم من يتأولون النزول ولا يجعلون الله متصفاً به على الحقيقة، ولذلك أكد اتصاف الله به بكونه سبحانه هو الذي ينزل فينادي عباده، لا ملك ولا غيره فقال "وأن الرب عز وجل يقول".

        ثم قال رحمه الله مستدلاً بنزوله تعالى على إثبات علوه: (ومما يؤكد أن الله عز وجل مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله أهل الرواية عن رسول الله r ..) ثم ذكر أحاديث النزول[152].

        وقال في سياق معتقد أهل الحديث: (وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: "وجاء ربك والملك صفاً صفاً" وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث)[153] اهـ.



خلاصة الفصل:

        أولاً: أن السلف مجمعون على إثبات النزول لله تعالى، كما ثبت في السنة المتواترة، بلا تشبيه ولا تمثيل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول، بل يثبتون نزولاً لائقاً به سبحانه، لا يماثل نزول المخلوقين. وأن السلف يقولون بمثل ذلك في كل الصفات الاختيارية الفعلية لله تعالى كالمجيء، والإتيان، والدنو، ونحو ذلك من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة.

        ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في إثبات حقيقة النزول لله تعالى، من غير تأويل، ولا تحريف.

        ثالثاً: أن الجهمية كانت تنكر أن ينزل الله بنفسه، وتتأول ذلك بنزول أمره، أو نزول ملك ونحوه، وأن هذا هو الذي أنكره السلف عليهم.

        رابعاً: موافقة الأشاعرة للجهمية في تأويل النزول، وأنه لا يراد به الحقيقة، بل هو من مجازات الكلام.

        قال أبو المعالي الجويني في "الإرشاد": (والوجه: حمل النزول، وإن كان مضافاً إلى الله تعالى، على نزول ملائكته المقربين.... إلى أن قال: ومما يتجه في تأويل الحديث أن يُحمل النزول على إسباغ الله نعماءه على عباده ..)[154] اهـ.

        وقال أيضاً في صفة المجيء: (بل المعني بقوله: {وجاء ربك} الفجر22: أي جاء أمر ربك وقضاؤه الفصل وحكمه العدل)[155] اهـ.

        خامساً: بطلان دعوى الأشعريين في أن الأشاعرة متبعون للسلف، سائرون على نهجهم، وأنهم من أهل السنة.



[1] رواه مسلم (537)

[2] رواه البيهقي في الأسماء والصفات (ص515).

[3] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/52) وفي درء التعارض(2/261) وعزاه لابن أبي حاتم في الرد على الجهمية، وأورده الذهبي في العلو (ص158).

[4] أورده الذهبي في العلو (ص179) وعزاه للخلال.

[5] العلو (ص174).

[6] رواه اللالكائي (1/176-177).

[7] تأويل مختلف الحديث (ص252-253).

[8] الرد على المريسي (1/340).

[9] المرجع السابق (1/228).

[10] التوحيد (ص110).

[11] الشريعة (ص300).

[12] الإبانة (3/136).

[13] سبق تخريجه حاشية 67.

[14] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/60).

[15] العلو (ص243).

[16] سبق تخريجه حاشية 102.

[17] عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص44).

[18] التمهيد (7/129-131).

[19] المرجع السابق (7/134).

[20] المرجع السابق (8/80).

[21] نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض التأسيس وساق أسانيدها (ص30) وأوردها الذهبي في العلو (ص259) وفي السير (18/474).

[22] الحجة في بيان المحجة (2/114).

[23] نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (6/213) وفي نقض التأسيس (ص97)

[24] إثبات صفة العلو (ص43).

[25] نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عنه في درء التعارض (6/258) وفي بيان تلبيس الجهمية (2/33) وفي مجموع الفتاوى (3/224) وفي نقض التأسيس (ص106) ونقله ابن القيم عنه أيضاً في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص263).

[26] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (7/140).

[27] العلو (ص143).

[28] المرجع السابق (ص268)

[29] الإبانة للأشعري (ص97-103).

[30] مقالات الإسلاميين (1/284).

[31] رسالة إلى أهل الثغر (ص232-236).

[32] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (6/120) وفي مجموع الفتاوى (5/318)

[33] سير أعلام النبلاء (11/175)

[34] نقله عنه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (5/65-70).

[35] شرح جوهرة التوحيد (ص163).

[36] الاقتصاد في الاعتقاد (ص74-81).

[37] نهاية الإقدام على علم الكلام (ص67).

[38] شرح العقائد النسفية (ص32-33).

[39] العلو (ص268).

[40] رواه مسلم (537).

[41] رواه اللالكائي (3/401) وأورده الذهبي في العلو (ص130).

[42] الرد على المريسي (1/489).

[43] إبطال التأويلات (1/232).

[44] ذم الكلام وأهله (5/135).

[45] عقائد أئمة السلف (ص75).

[46] العلو (ص28).

[47] الإبانة للأشعري (ص103).

[48] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (6/193) وفي نقض التأسيس (ص51-53) وفي مجموع الفتاوى (5/319) ونقله ابن القيم في الصواعق المرسلة (4/1238) وفي اجتماع الجيوش الإسلامية (ص282).

[49] رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص81).

[50] الحجة في بيان المحجة (1/399).

[51] رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص166).

[52] لسان العرب/ مادة "ندى".

[53] رواه البخاري (4/1767).

[54] رواه أحمد في المسند (3/495) والبخاري في خلق أفعال العباد (ص137) وفي الأدب المفرد (رقم 970/فضل الله الصمد 2/423) واستشهد به في صحيحه معلقاً (6/2719) ورواه الحارث في مسنده (زوائد الهيثمي 1/188) وابن أبي عاصم في السنة (1/225) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/97) والروياني في مسنده (2/315) وأبو الحسين في معجم الصحابة (2/135) والحاكم (2/475) وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (ص346) والخطيب في الرحلة في طلب الحديث (ص110) وأبو ذر الهروي في فوائده (ص42) وابن عبد البر في التمهيد (23/232) والضياء في المختارة (9/26) وقال الحافظ في تغليق التعليق (5/356): (قال الطبراني في مسند الشاميين..) ثم ساقه بإسناده، وقال الحاكم: (صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: (رواه أحمد بإسناد حسن). وصححه الألباني في ظلال الجنة (السنة لابن أبي عاصم 1/225).

[55] علقه البخاري في صحيحه (6/2719) ووصله في خلق أفعال العباد (ص138) ورواه أبو داود (3/240) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (1/237) والدارمي في الرد على الجهمية (ص172) وعبد الله في السنة (1/281) واللفظ له، وابن خزيمة في التوحيد (ص145) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص32) وابن بطة في الإبانة (1/238) واللالكائي (2/334) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص262). وصحح الألباني في السلسلة الصحيحة (3/282 ، رقم 1293).

[56] رواه عبد الله في السنة (1/284) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص35) والآجري في الشريعة (ص317).

[57] رواه ابن أبي حاتم في التفسير (4/1120) وابن جرير (6/29) وعبد الله في السنة (1/286) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص37) وابن بطة في الإبانة (2/317-318).

[58] رواه ابن أبي حاتم في التفسير (4/1120) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص37) وعبد الله في السنة (1/285).

[59] رواه عبد الله في السنة (1/280-281).

[60] طبقات الحنابلة (1/415).

[61] نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح الأصفهانية (64) وفي درء التعارض (2/39) وفي الفتاوى الكبرى (5/165) وعزاه إلى حرب الكرماني في مسائل أحمد وإسحاق.

[62] المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (1/303).

[63] الرد على الجهمية والزنادقة (ص132).

[64] طبقات الحنابلة (2/296).

[65] خلق أفعال العباد (ص137).

[66] شرح السنة (ص90).

[67] ذم الكلام وأهله (5/136).

[68] الحجة في بيان المحجة (2/479).

[69] أورده الذهبي في العلو (ص260).

[70] نقله عنه ابن الألوسي في جلاء العينين (ص352-356).

[71] عقائد أئمة السلف (98-104).

[72] الذيل على طبقات الحنابلة (2/24).

[73] شرح العقيدة الطحاوية (1/؟؟؟).

[74] شرح الفقه الأكبر (ص83-84).

[75] الإبانة للأشعري (ص77).

[76] التعرف لمذهب أهل التصوف (ص53).

[77] الإنصاف (ص111).

[78] الاقتصاد في الاعتقاد (ص142-174).

[79] شرح جوهرة التوحيد (ص129).

[80] رسالة السجزي إلى أهل زبيد (80-84).

[81] صيد الخاطر (ص265).

[82] سير أعلام النبلاء (11/175).

[83] شرح جوهرة التوحيد (130-162).

[84] الإرشاد (ص116-117).

[85] نهاية الإقدام (ص164-165).

[86] وقد اختلف الباحثون في عقيدة التفتازاني بين الأشعرية والماتريدية، ولا فرق بينهما عند الأشعريّيْن، والتحقيق أنه أشعري العقيدة كما حققه الدكتور محمد محمدي النورستاني في كتابه "مواقف التفتازاني الاعتقادية في كتابه شرح العقائد النسفية" (ص176-191).

[87] ص46-47.

[88] حاشية الإنصاف للباقلاني (ص26).

[89] كبرى اليقينيات الكونية (ص125).

[90] أركان الإيمان (ص201).

[91] نقله عنه ابن الألوسي في جلاء العينين (ص304-305).

[92] ذم الكلام وأهله (5/136-137).

[93] الإيضاح في أصول الدين (ص286).

[94] الإبانة للأشعري (ص106).

[95] رواه مسلم (ذ827).

[96] رواه البخاري (4/1812) ومسلم (2787).

[97] رواه مسلم (2759).

[98] رواه مسلم (1014).

[99] أخرجه بهذا اللفظ: أحمد (4/13) وابن أبي عاصم في السنة (1/286) وعبد الله في السنة (2/485) وابن خزيمة في التوحيد (ص186) والطبراني في الكبير (19/211) والحاكم (4/606) وقال: صحيح الإسناد.

[100] رواه مسلم (2788).

[101] رواه البخاري (4/1812) ومسلم (2786).

[102] رواه البخاري (6/2697) ومسلم (993).

[103] الرد على المريسي (2236).

[104] رواه ابن أبي شيبة (7/28) وهناد بن السري في الزهد (1/66) وعبد الله في السنة (1/295) والآجري في الشريعة (ص340).

[105] رواه ابن سعد في الطبقات (5/166).

[106] رواه عبد الله في السنة (1/297).

[107] رواه عبد الله في السنة (1/296).

[108] رواه الدارمي في الرد على المريسي (1/286).

[109] رواه عبد الله في السنة (2/501) وابن جرير (24/25).

[110] رواه الدارمي في الرد على المريسي (2/286).

[111] أصول الدين (ص111).

[112] المرجع السابق (ص110).

[113] الإرشاد (ص155).

[114] رواه البخاري (1/384) ومسلم واللفظ له (758).

[115] رواه أحمد (1/388) وأبو يعلى (9/219) والدارمي في الرد على الجهمية (ص77) وابن خزيمة في التوحيد (ص134) والآجري في الشريعة (ص325) وابن بطة في الإبانة (3/208) والدارقطني في النزول (ص69) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/153): (رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح). وصححه الألباني في إرواء الغليل (2/199)

[116] رواه أحمد (1/120) وأبو محمد الدارمي في سننه (1/414) وعثمان الدارمي في الرد على الجهمية (ص74،78) والنسائي في الكبرى (6/125) وأبو يعلى (11/447) والآجري في الشريعة (ص323) والدارقطني في النزول (ص133-138) وابن المظفر في غرائب مالك (ص133) والبيهقي في السنن الكبرى (6/125).

[117] رواه أحمد (4/16) والطيالسي (ص182) والنسائي في الكبرى (6/122) والدارمي في سننه (1/413) وابن ماجه (1/435) وابن خزيمة في التوحيد (ص132) وأبو عوانة في مسنده (2/289) والطبراني في الكبير (5/49) وابن بطة في الإبانة (3/214-215) والآجري في الشريعة (ص325) والدارقطني في النزول (168-175) وابن حبان في صحيحه (1/217) واللالكائي (3/441) والصابوني في عقيدة السلف (ص58) وأبو إسماعيل الهروي في الأربعين في دلائل التوحيد (ص80).

[118] رواه بهذا اللفظ: أبو عوانة في مسنده (2/288) والدارقطني في الرؤية (ص149) وقال بعده: (زاد فيه يونس بن أبي إسحاق زيادة حسنة) أي: ثم يصعد إلى السماء. والحديث رواه مسلم (758).

[119] رواه البخاري  (6/2730).

[120] سبق تخريجه حاشية 24.

[121] ذكره الذهبي في السير (7/451).

[122] سبق تخريجه حاشية 26.

[123] سبق تخريجه حاشية 28.

[124] رواه ابن بطة في الإبانة (3/203-206).

[125] سبق تخريجه حاشية 138.

[126] رواه الصابوني في عقيدة السلف وأهل الحديث (ص51) وأورده الذهبي في العلو (ص179).

[127] رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (4/326).

[128] ذكره الذهبي في السير (11/367).

[129] رواه اللالكائي (3/452).

[130] رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (4/325).

[131] رواه ابن بطة في الإبانة (3/205) والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (1/260).

[132] إبطال التأويلات (1/260).

[133] المرجع السابق (1/261).

[134] سبق تخريجه حاشية 31.

[135] الرد على المريسي (1/214).

[136] الرد على الجهمية (ص93).

[137] المرجع السابق (ص97).

[138] سبق تخريجه حاشية 147.

[139] ذكره الذهبي في السير (13/547).

[140] التبصير (ص148-149).

[141] التوحيد (ص125-126).

[142] الشريعة (ص319).

[143] نقله عنه أبو القاسم التيمي في المحجة (1/248).

[144] الإبانة (3/240).

[145] سبق تخريجه حاشية 64.

[146] عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص60-63).

[147] سير أعلام النبلاء (20/330).

[148] نقله عنه ابن الألوسي في جلاء العينين (ص461).

[149] عقائد أئمة السلف (ص80).

[150] فضل علم السلف على الخلف (ص48).

[151] الإبانة للأشعري (ص51).

[152] المرجع السابق (ص99).

[153] مقالات الإسلاميين (1/285).

[154] الإرشاد (ص161).

[155] المرجع السابق (ص159).
 


 

No comments:

Post a Comment