Saturday, August 28, 2010

الأحباش يلجأون إلى ضريح شيخهم في منزل رئيس "مجلس الأعيان الكردي"

بسم الله الرحمن الرحيم
الأحباش يلجأون إلى ضريح شيخهم في منزل رئيس "مجلس الأعيان الكردي"  

الأحباش يلجأون إلى ضريح شيخهم

الأحباش يلجأون إلى ضريح شيخهم
في منزل رئيس "مجلس الأعيان الكردي"
فاروق عيتاني nowlebanon.com” 29 /10/ 2008
لم أحتج إلى دليل أو مرشد إلى مبنى آل عميرات الملتصق من الخلف بجامع برج أبي حيدر في بيروت، حيث دفن قبل شهرين الشيخ عبدالله الهرري الحبشي، مرشد جماعة " الأحباش" أو جمهور " جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية ". فحركة الدخول والخروج تدل أن المقصود هو ذلك المبنى، وكذلك اللافتة المرحبة " بسلطان العلماء قدس الله سره " والمتدلية بطول العمارة المقابلة حيث مقر " مجلس العيان الأعلى للأكراد في لبنان " ، وكراسي الأرصفة وعليها حراس المكان وراصدو حركة الشارع. كل ذلك يؤكد لي صحة الاهتداء إلى المبنى – المدفن.
البيت الصغير قبراً
يتكون المبنى من ثلاث طبقات شيدت على مدى القرن الماضي، طبقة فوق أخرى على قطعة أرض بعرض خمسة أمتار وطول خمسة عشر متراً. ولعلها كانت في الأصل فضاء خلفياً للجامع ببعده من غيره من العقارات، حيث نوافذ الجامع تطل عليه. ولعل المبنى شيد في الأصل كبيت لخادم الجامع، وهو من آل اسكندراني، الذي عمل في المسجد في منتصف ثلاثينات القرن الماضي.
تلج المبنى إلى فسحة مترين في مترين. على اليمين باب البيت ـ المدفن، وعلى اليسار نافذة الجامع المغلقة، وأمامك درج طويل ضيق يوصل إلى الطبقة الأولى الأرضية، وعلى الزوايا أعمدة باطون غير متصلة بالطابق الأرضي، ويبدو أنها نصبت حينها لحمل ثقل الطبقات الثلاث فوق الطبقة الأرضية القديمة.
على باب البيت ـ المدفن لوحة تقول: "ضع حذاءك في المكان المناسب"، ولوحة أخرى حوت آداب وشروط الزيارة، من لبس محتشم، وعدم رفع الصوت، وعدم التزاحم، والوقوف عند رأس القبر، وفتح اليدين بقراءة الفاتحة ثم رفعهما إلى الأعلى مع الاستدارة نحو القبلة والدعاء للولي، وطلب الغوث وتحديد الحاجة... ثم الخروج بالرجل اليسرى على عكس الدخول بالرجل اليمنى.
البيت صغير، رائحة البخور الشديدة تعبق فيه، مساحته لا تزيد على خمسين متراً، مقسّم من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي بثلاث غرف، فرشت أرضها بالموكيت الأخضر. في الغرفة الأولى رفوف للأحذية، مقعدان جلديان طويلان أسودان، هما من أثاث مكتب قديم. الغرفة الثانية تركت من دون أثاث وأغلق باب خشبي في جدارها، يحتل مساحة تحت الدرج الخارجي للمبنى، ربما كان هذا الباب مفضياً الى الحمام، وفي الغرفة الثالثة والأخيرة، والتي على الأرجح كانت غرفة نوم البيت الصغير، حفر القبر، قبر الشيخ الحبشي الهرري.
عمق القبر، "قامة وبسطة" أي طول قامة الرجل مع طول يده مرفوعة. هكذا "السنة"، على ما روى الحاج محمد عميرات رئيس "مجلس الأعيان الأعلى للأكراد في لبنان"، والمتخذ من زاوية ضيقة خلف البناية التي تضم المجلس قبالة المسجد والمدفن، مكتباً له وقعراً. وروى عميرات أيضاً أن "الأصل" في دفن الميت هو دفنه على عمق "يكتم الرائحة"، حتى لا يأكله "السبع" أو ينهشه "الضبع". أما ارتفاع قبر الشيخ الحبشي في مدفنه، فيعلو في حدود شبر واحد عن أرض الغرفة، وقد كسي ببساط أشد اخضراراً من موكيت الأرض، من دون أن ترفع عليه شاهدة، ربما لا يحتاج إليها الفقيد الذي يجعله مدفنه الخاص خلف الجامع الذي وضع مريدوه يدهم عليه منذ سنوات كثيرة، أشهر من أن يعرف، فيما تركت على طرف القبر سبحة الشيخ عبد الله "المباركة".
زوار الضريح
عند رأس الضريح وجانبيه، جلس القرفصاء بعض من مريدي الشيخ. ومن جهة الأقدام قعدت نسوة مع صغارهن، كانوا جميعاً مطأطئي الرؤوس، وجوههم في كسرة وحزن عميقين. عيونهم شاخصة إلى القبر. شفاههم منطبقة بعظيم مصابهم، كأنهم شعروا بظلم شديد لحق بهم لقبض الأجل. كان الصمت الناطق مخيماً على القبر. وهناك أيضاً رجال يدخلون، كأنما كانوا يمرون مصادفة في المكان لقضاء حاجة ما، فانتبهوا أو نبههم شيء ما إلى أن الشيخ الفقيد مسجّى في غرفة قبره ينتظر في مثواه زيارتهم ووقوفهم في حضرة رفاته لقراءة الفاتحة واستذكار شفاعاته وكراماته. أما أنا فقد تسمرت لحظات على باب غرفة القبر. قرأت الفاتحة، واستدرت خارجاً.
مجموعة أخرى من مريدي الشيخ يدخلون البيت – القبر. هم بلباسهم الأقرب إلى لباس "الشهرة": دشداشة طويلة بنية اللون. فوقها "جيليه" مع وجوه بذقون، وبرؤوس فوقها "قلنسوات" خضراء إخضرار الشالات التي تحيط برقابهم، بينما تتدلى من الأكتاف "جرابات" قماشية تتموضع تحت الإبط.
في دردشة مع الحاج محمد عميرات (أخوه مختار في محلة البسطة) ذكر أن الشيخ عبد الله الحبشي الهرري الشافعي الرفاعي (الرفاعية طريقة صوفية تنسب إلى الشيخ أحمد الرفاعي توفي سنة 578هـ، وتعرف بدعوة مريدها إلى كتمان السر، والصبر على البلاء والاستسلام له)، ولد في إقليم هرر غربي الصومال سنة 1910 وأسندت إليه الفتوى ببلدة هرر وجوارها. وأنه "فر من الحبشة وعمره 18 سنة هرباً من هيلاسي الذي كان يقتل العلماء المسلمين ـ حسب قوله ـ وأنه تجول في بلاد الشام و"استلم إمامة ومشيخة المسجد الحرام أيام السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله" (للتذكير عزل عبد الحميد الثاني عام 1909). وأن الشيخ عبد الله عندما كان يدخل غابة معروفة ببلاد هرر للتعبد، كان "يدخل خلفه سبعان ليحرساه".
قبر في المنام
وفي إجابته عن سبب دفن الشيخ عبد الله هنا في منزل خلف مسجد جماعته "الأحباش" لا في مقبرة عامة، أجاب عميرات: "محبو الشيخ كثر وأعداؤه كثر، وأنه لليوم لا يزال قبر الشيخ نزار الحلبي في الباشورة يتعرض للاعتداء والتكسير من قبل "الوهابيين" (اغتيل الشيخ نزار الحلبي، وهو من مشايخ "الأحباش" ببيروت عام 1995 على يد مجموعة قبض عليها وأعدم أفرادها). واعتبر عميرات أن المقابر الرسمية تقفل ليلاً، وزوار الشيخ كثر. وفي رمضان يريدون إحياء ليالي رمضان على القبر، وهذا متعذر إن دفن في مقبرة عامة. وأضاف أن الضريح ـ المقام ـ المزار، "تنشرح فيه النفوس"، وهو "أشبه بالمستشفى". وفي الليل حيث يسكن الحاج عميرات في الطبقة الأولى فوق البيت ـ الضريح، يلاحظ "حركة زوار كثر ومرضى ومقعدين، يأتي بهم أهلهم، بقصد الشفاء بالزيارة ولمس القبر".
وعن نوعية الزوار، قال إنهم يتوافدون من جميع أنحاء العالم: من كندا واستراليا وأوروبا ومن الدول العربية ومن أفغانستان وماليزيا ومن الإمارات كما دول الخليج. وقال إن أميراً إماراتياً (لربما يقصد درويشاً من جماعة "علم الخرق ـ القماشة الخضراء ـ مقدم على علم الورق")، حضر إلى المقام، وروى أنه رأى في المنام، قبل خمسة أيام من وفاة الشيخ عبد الله أن قبره تشع منه الأنوار. وبعد وفاة الشيخ ومجيء هذا "الأمير" من بلاده لزيارة ضريحه، صرخ حين رأى القبر: إنه هو القبر نفسه الذي رأيته في المنام.
الكرد والأحباش
عن علاقة "مجلس الأعيان الأعلى للأكراد في لبنان" (الذي يرأسه عميرات) بجمعية المشاريع، أجاب عميرات أن العلاقة كانت سيئة زمن الرئيس السابق للمجلس الشيخ وهاج وهاب موسى، الذي رشح نفسه للانتخابات النيابية العام 1992 وفشل. وأن العلاقة بين المجلس والجمعية المشاريعية،  بقيت سيئة حتى استلم هو عام 2003 الرئاسة، والعلاقة اليوم "مميزة وممتازة"، بين الجهتين. وبحسب الراوي الكردي الرئيس أن عائلة عميرات الكردية في بيروت هي ثالث أكبر عائلة بيروتية، بعد عيتاني وشهاب، وهي تعدّ نحو 2500 صوت انتخابي، يمون مجلس الأعيان على كثرة منهم، وهم يوالون الجمعية المشاريعية، إلا قلة توالي الجماعة الإسلامية.
وفيما كان رئيس "مجلس الأعيان الأعلى للأكراد" يتكلم ويروي، بالعامية مع فصيح اللفظ في التقاطعات التي يتهيبها بروايته، كنت أسرح بخيالي مستعيداً حكاية قديمة عن كردي كان يطرق بجبهة رأسه مسماراً في حائط، فسئل عن النتيجة التي يتوقعها من عمله، فأجاب: "إما أن يثقب الحائط أو يلتوي المسمار...". كما تذكرت أيضا محطات من سيرة الشيخ الحبشي الهرري التي تقول إنه وصل إلى بيروت في مطلع خمسينات القرن الماضي، فأوى إلى مساجد المدينة، وتنقل بينها واستظل فيها وجمع حوله أتباعاً ومريدين من بعض عائلات الطريق الجديدة وبرج أبي حيدر، ثم أنشأ معهم جمعية خيرية دينية هي جميعة المشاريع التي عرف جمهورها لاحقا بالأحباش نسبة إلى الشيخ الداعية المؤسس.
أعاجيب الموتى
انتهت الدردشة، وغادرنا مزار "الولي" الحبشي دون أن نستفسر عن صحة ما سمعت من أن الشيخ الحبشي يخرج من ضريحه ليلاً "للغوث". فقد أسرّ بعض "الأحباش" إلى بعضهم أن أحدهم سمع ليلاً طرقاً قوياً على باب بيته اهتزت البناية منه. فنهض مستنفراً مستفَزاً متناولاً ساطوره، فإذا بالشيخ عبد الله الحبشي تنبعث منه كتلة نور أبيض وأخضر وأصفر مهرولاً داخل البيت إلى غرفة النوم لينزع اللحاف عن وجه طفلة حديثة الولادة، وقد بدت عليها عوارض الاختناق.
"حرمة" الرجل النفساء المرضعة كانت شبه عارية في الفراش، فهبت واقفة فرحة بالشيخ عبد الله، لكنه اختفى بأسرع من انطفاء نور المصباح الكهربائي عند كبس الزر.
استثمار مربح
إشكاليات "الأحباش" كثيرة. من الاشتباه بمسئولهم الأمني أحمد عبد العال مسؤول جامع البسطة الفوقا التابع للأحباش (جامع المخابرات، على ما يقال في بعض أوساط أهالي بيروت) بالتورط باغتيال الرئيس الحريري، إلى أنهم شكلوا أداة بيد النظام الأمني اللبناني – السوري السابق، إلى إشكالياتهم في سرعة تكفيرهم للمسلمين، وأحاديثهم الأخرى عن شؤون الدين والدنيا.
...نحن اليوم نشهد بدايات ولادة مزار لولي، تقوم بصناعتها جماعة عامية في بيروت، بعدما أصابها باليتم والانكشاف ذهاب عهود راعيها الأمني. وهكذا وجدت بوفاة شيخها وإمامها وملهمها مناسبة لا تفوت لتجعل من قبره ملاذاً ومزاراً قابلاً لأن يصير صاحبه مع الزمن والتأريخ، من الأولياء الصالحين، وهذا ما يبدو أن "جمعية المشاريع" وأحباشها مع "المجلس الأعلى للأكراد" جادان في صناعته خلف جامعهم في برج أبي حيدر، حيث تبدو الأحياء السكنية القريبة والمحيطة بالمسجد والمجلس أشبه بوقف لرعاية هذه الجماعة، لتعلي من حضورها وسلطانها في المكان الأهلي العام، وهما سلطان وحضور يسعفهما قبر في شقة سكنية في الطبقة الأرضية من بناية يملكها رئيس المجلس الأعلى للكرد، الذي قال إنه أفرغ أثاث بيته عند الفجر حين علم أن الشيخ الحبشي لفظ أنفاسه الأخيرة ووافته المنية في مطالع شهر رمضان الفائت.
أفرغ الأثاث من البيت وقدمه ـ بالتشاور مع مرشد الأحباش العملي غير الروحي الشيخ أحمد قراقيرى ـ ليكون مدفناً للشيخ الراحل.

المصدر  : الراصد

 

No comments:

Post a Comment