Wednesday, August 11, 2010

أم البراهين لشبهات المعطّلين والمؤوّلين والمفوّضين لصفات الله رب العالمين - الجزء 1-2

بسم الله الرحمن الرحيم
 

المقدمة



الحمد لله الذي أنزل الكتاب بالحق ، ولم يجعل له عوجا ، أشهد أن لا إله إلا هو شهادة من أسلم وجهه لله ، فلم يجد حرجا ، وأشهد أن محمدا صلّى الله عليه وسلم عبده ورسوله ، الصادق المصدوق مدخلا ومخرجا ، اللهم صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله ، وصحبه ، ومن اتخذ دينه منهجا .
وبعد :


فهذا كتاب وضعته للرد على أهل التعطيل والتأويل لصفات الله تعالى ، وقد ذكرت فيه الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع السلف ، من أن نصوص صفات الله تعالى ، الواردة في الكتاب و السنة ، يجب الإيمان بما دلت عليه من صفات لائقة بجلال الله ، وعظمته جل شأنه ، مع تفويض كيفيّاتها ـ لا معانيها ـ إليه سبحانه ، وأن ذلك هو معنى ما أطبق عليه السلف بقولهم : أمروها كما جاءت بلا كيف .
كما ذكرت أهم الشبه التي استدل بها أهل التعطيل والتأويل من كتبهم المعتمدة عندهم ، ونقضتها من كلام أهل العلم ، من أئمة أهل السنة والجماعة ، وأضفت إلى ذلك بعض ما ظهر لي أيضا من الردود .
وقد حاولت أن أجعل القارئ المقتصد لا يحتاج إلى مطالعة غير هذا الكتاب ، إذا اضطر إلى الرد على أهل البدع في هذا الباب ، وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك ، وإلاّ فالنقص أحرى بي وأولى ، وقد أحاط بي ، واستولى .
هذا وينبغي التذكير بأن إظهار نصوص الكتاب والسنة في صفات الله تعالى ، ونشرها بين الناس ، وتعليمهم طريقة السلف في فهم صفات الله تعالى على سبيل الإجمال ، وترك الناس وفطرتهم تمر عليهم الآيات والأحاديث كما أنزلت ، يفهمون مما يقرؤونه في القرآن والسنة ، على أساس الإثبات مع التنزيه ، وقطع الطمع عن التكييف ، هو منهج السلف في القرون الأولى ، وهو أقوى رد على كل مبتدع .
وإنما ينزل الرد عليهم بدفع شبههم ، منزلة الضرورة ، فإن كانت بدعهم مطوية ، وآراؤهم الرديّة مخفية ، فالواجب الإعراض عنهم بالكليّة .
وقد سميت الكتاب ( بأم البراهين ) لأنني اعتنيت فيه بذكر البراهين الجليّة ، على صحة نهج السلف ، في فهم أسماء الله تعالى الحسنى ، وصفاته العليّة .

هذا وأسأل الله تعالى أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم ، وان ينفعني به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، آمين والحمد لله رب العالمين .



حامد بن عبد الله العلي
غرة جمادى الآخرة 1423هـ



الفصل الأول

أقوال الطوائف الإسلامية في صفات الله تعالى ، والقول الصحيح منها والأدلة على صحة ، وبطلان ما سواه



ويشتمل هذا الفصل على هذه المطالب :

أولا : أقوال الطوائف في صفات الله تعالى .

ثانيا : القول الصحيح منها ، وهو مذهب السلف ، والأدلة على صحته .

ثالثا : إبطال مذهبي المفوضة ، والمؤولة في صفات الله تعالى .

كما يتضمن بحثا مهما في بيان أسباب الخطأ في حكاية مذهب السلف عند بعض العلماء والله الموفق .




قائمة المحتويات
- المقدمة ................................................................... ص 2
- الفصل الأول : أقوال الطوائف الإسلامية في صفات الله تعالى والقول الصحيح منها والأدلة على صحة وبطلان ما سواه .......................................... ص 3
    - المطلب الأول : أقوال الطوائف في صفات الله تعالى ................... ص 4
       - القول الأول ......................................................... ص 4
       - القول الثاني ........................................................ ص 4
       - القول الثالث ........................................................ ص 7
    - المطلب الثاني : تحقيق القول الصحيح في هذا الباب وبيان أسباب الخطأ في نسبة مذهب السلف الصحيح إليهم .......................................... ص 11
      - أضراب أقوال السلف في الصفات .................................. ص 11
       - الضرب الأول ..................................................... ص 12
       - الضرب الثاني .................................................... ص 14
       - الضرب الثالث .................................................... ص 15
       - الخلاصة .......................................................... ص17
     - الرد على من زعم أن السلف كانوا لا يعبرون عن معاني نصوص الصفات بغير تلاوتها المجردة لأنهم لم يكونوا يفهمون منها شيئا ................... ص 18
     - أسباب الخطأ في نقل مذهب السلف ................................. ص 22
     - تنبيهات مهمة جدا .................................................. ص 28
       - التنبيه الأول ...................................................... ص 28
       - التنبيه الثاني ..................................................... ص 30
         - ذكر أسباب الخطأ في الاستدلال بالنصوص على صفات الله تعالى ص 31
       - التنبيه الثالث ..................................................... ص 37
    - وقفة مهمة تحل إشكالات كثيرة ...................................... ص 39
  - المطلب الثالث : الأدلة على صحة مذهب السلف في الصفات وإبطال مذهبي المفوضة والمؤولة ......................................................... ص 48
    - الأدلة على صحة مذهب السلف ...................................... ص 49
    - الأدلة على بطلان طريقة التأويل ..................................... ص 54























المطلب الأول
أقوال الطوائف في صفات الله تعالى



القول الأول :


قول من يجعل كل دليل دل على الإخبار عن صفة ولو ظاهراً ، يأخذ منه إثبات صفة لله تعالى انقياداً للسمع ، وهذا القول هو المنقول عن الصحابة والتابعين ، وقال به أئمة الدين المتقدمين كالأئمة الأربعة والليث بن سعد والأوزاعي والسفيانين وعامة فقهاء الأمصار في عصور السلف وعامة أهل الحديث ، وهو قول غالب المنتسبين إلى مذهب الإمام أحمد ، وكثير من المنتسبين إلى المذاهب الأخرى ، وسيأتي بيان ذلك لاحقا إن شاء الله تعالى .

ويمكن تقسيم الصفات على هذا الأساس إلى : صفات سلبية ، وصفات ثبوتية.

أما الصفات السلبية : فهي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله كالموت ، والنوم.

وأما الصفات الثبوتية : فيمكن تقسيمها إلى ذاتية وفعلية :

فالذاتية هي التي لم يزل ولا يزال متصفا بها وهي نوعان : عقلية وخبرية .

فالعقلية كالقدرة والعلم ، والخبرية - وهي التي لا تعرف إلاّ بالسمع - كالوجه واليدين .

وأما الصفات الفعلية ، فهي التي تتعلق بمشيئته واختياره ، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها ( وقد تسمى الاختيارية ، أو الأفعال الاختيارية ) ، وهي نوعان أيضاً :

عقلية وخبرية : فالأولى كالخلق والرزق ، والثانية كالمجى والنزول والاستواء .

وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام فإنه صفة ذاتية لأن الله لم يزل ولا يزال متكلماً ، وباعتبار آحاد الكلام فإنه فعلية لأن الكلام يتعلق بمشيئته واختياره ، يتكلم متى شاء بما شاء كما قال سبحانه (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس:82) [1] .

القول الثاني :


وهو قول من يحدد الصفات بسبع أو ثمان صفات ، وقد يزيد بعضهم على ذلك ، بما سيأتي ذكره وأشهر من قال بهذا القول ، الأشعرية ، والماتوريدية ، ويقسمون الصفات إلى أربعة أقسام :

نفسية ، وسلبية ، ومعاني ومعنوية .[2]

فالنفسية هي الوجود ، والسلبية هي القدم ، والبقاء ، والمخالفة للحوادث ، والقيام بالنفس والمعاني هي سبع صفات زائدة على الذات ، وهي : الحياة ، والإرادة ، والعلم ، والقدرة ، والسمع والبصر ، والكلام ، والمعنوية عندهم هي كونه مريداً وقادراً وحياً ، عليماً ، سميعاً ، بصيراً ، متكلماً .[3]

وأصحاب هذا القسم لا يعتبر أكثرهم ما يثبته القسم الأول من الصفات الذاتية صفاتاً ، كالوجه واليدين ، والعين ، بل نصوصها عندهم لا تدل على صفات في نفس الأمر ، وإن كانت في الظاهر كذلك ، ويجب تأويل ظواهرها عندهم .

وكذلك الصفات الفعلية الخبرية كالمجيء والنزول والاستواء ، وإذا اجتمع في طريق الثبوت أن يكون خبرياً حديثياً ، فلا يسلم من التأويل عدد أكثرهم أما الخبري القرآني فيثبته بعضهم .

وأعظم من يقول بهذا القول الأشعرية ، فقد اتفق المنتسبون إلى هذا المذهب على إثبات سبع صفات وهي المتقدم ذكرها [4].
ثم اختلفوا هل لله صفة زائدة عليها وإن كنا لا نعلمها ،فجزم بعضهم بالنفي وجوز بعضهم أن يكون له غيرها وإن كنا لا نعلمها[5].

وزاد المتقدمون من أئمة المذهب الكبار ، صفة اليد والوجه ، كأبى بكر الباقلاني[6] ، وأبى بكر بن فورك[7] ، ونقل الذهبي عن كتاب الإبانة للباقلاني إثباته صفة العلو أيضاً[8] .

وسبب إثبات هؤلاء لهذه الصفات هو أن أبا محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب شيخ الاشعري الذي إنحاز إليه أبو الحسن بعد توبته من الاعتزال[9]

، ابن كلاب هو مثبت لهذه الصفات الخبرية الذاتية كالوجه واليدين والعين والعلو[10]

ولهذا فليس لأبي الحسن قولان في هذه الصفات الخبرية على التحقيق ، ولا لأئمة أصحابه المتقدمين ، فالصفات الخبرية القرآنية يثبتها قدماء أئمة الأشعرية وبعض المتأخرين[11] ..


أما متأخرو الأشعرية ، فقد غلوا في التأويل ، كأبى المعالي الجويني ، وهو من أوائل من غلا فيه ، وهو شيخ أبي حامد وهذان مع الرازي والآمدي ، قاربوا المعتزلة فأكثروا من التأويل وأنكروا صفة العلو ، والصفات الخبرية القرآنية التي أثبتها المتقدمون ، وتكلموا في قواعد المذهب على هذا الأساس [12].

لا سيما الرازي فقد غلا في التأويل جدا ، ثم صنفت الكتب والمختصرات لدى الاشعرية ، على هذا النحو من تأويل الصفات إلاّ السبع ، وقد تذكر فيها بعض الصفات الخبرية على أنه قول ثان للأصحاب ولأبي الحسن [13]

ولهذا فإن بعض المفسرين ممن ينتسب إلى هذا المذهب بعد هؤلاء - مثل البيضاوي - يؤولون هذه الصفات خلافاً للمتقدمين من أئمة المذهب ، وقد يذكرون الإثبات على أنه قول ثان للأصحاب[14]

أما الصفات الفعلية التي تقوم بذات الله تعالى بمشيئته واختياره وقدرته كالمجيء ، والنزول ، وطي السماوات ، وما شابه هذا من النصوص ، فلا يثبتونها ، ويؤولونها كلها ، حتى الكلام عندهم لا يكون بمشيئته ، واختياره ، ولا يتكلم إذا شاء ، بل هو صفة قديمة قائمة به لا تتعلق بالمشيئة ، ويسمونه الكلام النفسي ، وكذلك ليس يقوم به فعل هو الخلق ، بل الخلق هو المخلوق ، ويسمون هذه الأفعال حلول الحوادث بذاته ويعنون بالحادث ما يسبقه العدم ، وهم يمنعون هذا ولذلك يؤولون ما يدل على خلافه في الظاهر[15] .

وكذلك الصفات الذاتية الحديثة لا يثبتونها [16] لمعارضتها لأدلة عقلية ، وكذلك القرآنية عند من يؤولها ، وسيأتي ذكر أدلتهم في موضعها .

والماتوريدية يوافقون الأشعرية في أكثر ما تقدم ، إلاّ أنهم يثبتون صفتي الوجه واليد [17].
وصفة يسمونها ( التكوين ) يحصل بها الإيجاد والخلق[18] ، وكذلك صفة الحكمة ، عندهم صفة وجودية زائدة على الذات خلافاً للأشعرية الذين يذهبون إلى أنها عبارة عن إتقان العمل وإحكامه[19] .

القول الثالث :

وهو قول النفاة ، وهم الذين ينفون أن يكون لله صفة زائدة على ذاته ، وأشهر من قال بهذا هم المعتزلة ، قال عبد القاهر البغدادي رحمه الله عن المعتزلة: (يجمعها كلها في بدعتها أمور ، منها نفيها كلها عن الله عز وجل صفاته الأزلية وقولها بأنه ليس لله عز وجل علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا صفة أزلية)[20] .

ومع اتفاقهم على نفي أن يكون لله صفه أزلية ، اختلفت عباراتهم عنها ، فمنهم من جعلها وجوها للذات كأبى الهذيل العلاف ، فالله عنده عالم بعلم هو ذاته ، وقادر بقدرة هي ذاته وكذلك سائر ما أثبته [21] .
ومنهم من جعلها تؤول إلى معنى السلب فمعنى كونه عالماً أي ليس بجاهل ومعنى كونه قادراً أي ليس بعاجز ، وهو قول النظــام[22] ومنهم من جعلها أحوالاً وراء الذات كأبى هاشم الجبائى ، قال لله عالمية وقادرية لا علماً وقدرة ، وهذه الأحوال عنده لا موجوده ولا معدومة[23] .

والجهمية توافق المعتزلة في نفي الصفات[24] ، والذي دعا المعتزلة إلى نفي أن يكون لله تعالى صفات لم يزل متصفاً بها كالعلم والقدرة والسمع والبصر ، ظنهم أن ذلك تعدد فيما هو قديم فيلزم أن يكون لله تعالى مماثل في أخص وصفه وهو القدم [25] .


هذا ، ومن الواضح أن أصحاب القول الأول قد انطبق قولهم على جميع الأدلة السمعية ، ولهذا فإنه يقولون : إن صفات الله تعالى ليست من المتشابه ، إن قصد به مالا يعلم معناه إلا الله تعالى ، بل هي معلومة المعنى ، فهي صفات لله تعالى لائقة بجلاه لاتماثل صفات خلقه .

وإن كان قد يطلق على بعض نصوصها أنها من المتشابه ، بمعنى أنه قد يشتبه على مقتصد في العلم معاني بعض نصوص الصفات ، لغموض أو احتمال لعدة معان ، فبرد الراسخين في العلم له إلى المحكم يتبين المعنى المراد ، شأنه في ذلك شأن غيره من أبواب العلم ، وتأويل هذا المتشابه هو تفسيره والراسخون في العلم يعلمونه .

كما يقولون إن بعض نصوص الصفات قد يكون فيها اشتباه ، من جهة إشتباه الشيء بالشيء ، فصفات الله قد يطلق مثلها على المخلوق ، فيحصل الاشتباه من ذلك لغير الراسخين في العلم ، في هذه النصوص الموهمة للتماثل بين الباري والبرية ، ويصح أن يقال إن هذا المتشابه لا يعلم تأويله إلاّ الله إذا جعل التأويل هو حقائق صفات الله وكيفياتها ، وبهذا يندفع التماثل المتوهم .


هذا على قول السلف الذين يثبتون جميع الصفات ، أما القولان الآخران ، فلهما شأن آخر ، فإن أصحابهما قد اصطلحوا على تسمية حمل الظاهر على المعنى المرجوح تأويلاً ، فكان لهذا تأثير في جعل نصوص الصفات من المتشابه ، فإنه ينتج منه أن يكون المراد بها خلاف الظاهر ، إذا طبقت آية المحكمات والمتشابهات عليها .

ولعل صنيع القاضي عبد الجبار الهمداني في كتابه متشابه القرآن ، يمثل موقف المعتزلة من علاقة مسائل العقيدة على وجه العموم والصفات على وجه الخصوص بالمتشابه ، فإنه جعل المتشابه هو الذي (يحتاج إلى زيادة فكر من حيث كان المراد به خلاف ظاهره )[26] ، ويعني بالفكر النظر في الأدلة العقلية ، كما صرح بأن المتشابه (متى امتنع حمله على الظاهر ، فالواجب النظر فيما يجب أن يحمل عليه ، والنظر هو أن تطلب القرآن ...فان كان السامع قد مهدت له الأصول وعرف العقليات وما يجوز فيها وما لا يجوز ، وعلم ما يحسن التكليف فيه وما لا يحسن وعلم من جمل اللغة ما يعرف به أقسام المجاز ومفارقتها للحقائق ، حمله على ما أريد به في الحال)[27]

ولما ذكر ما يتميز به المحكم ، ذكر أنه به يمكن أن يبين للمخالف في التوحيد ، أنه مخالف للقرآن ، وأنه قد تمسك بالمتشابه مـــن القــرآن وعدل عن محكمه[28] ، ومعلوم أنهم ـ أي المعتزلة ـ يعنون بالتوحيد نفي الصفات .

ولهذا فإنه يجعل في كتابه هذا مثل قوله تعالى { وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: من الآية255] ، وقوله تعالى : { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} [هود: من الآية14] ، متشابهاً ويصرح أن المراد خلاف الظاهر[29].

وما حمله على هذا إلاّ قيام ما يطلق عليه الدليل العقلي عنده على امتناع أن يكون لله صفة العلم ، كما سيأتي لاحقا عند ذكر أدلتهم على نفي الصفات .

وهذا التصرف منه مع ما تقدم من النقل عنه ، يدل على أنه يجعل كل ما يخالف اعتقاده الذي أسسه على محض العقل متشابهاً يراد به خلاف الظاهر ، وقد ذكر في كتابه هذا أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه ، فهذا يدل على أنه يجعل ما يخالف قوله متشابها ليتمكن من صرفه عن ظاهره بالتأويل الذي يرى إمكان معرفته ، فيبدو أن هذه هي علاقة المتشابه بآيات الصفات عند المعتزلة .

وقد صنع أصحاب القول الثاني مثل هذا الذي تقدم عن المعتزله ، مثال ذلك: نفيهم صفة العلو واعتبارهم كل ما دل عليه من القرآن متشابهاً ، كقوله تعالى {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [الأنعام: من الآية18] ، وقوله {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [النحل: من الآية50] ، وقوله { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: من الآية54] ، وقوله {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: من الآية16] ، وقوله {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: من الآية4] ، وقوله {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [لأعراف: من الآية206].

وكذلك كل ما جاء في السمع في ظاهر يدل على إثبات ما نفوه أو نفي ما أثبتوه بالأدلة العقلية جعلوه متشابها ، كما فعل الرازي في تفسيره حيث قال ( فثبت بما ذكرنا أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح في المسائل القطعية لا يجوز إلاّ عند قيام القطعي العقلي على أن ما أشعر به ظاهر اللفظ محال ) ، ثم جعل هذا المعنى المرجوح هو تأويل المتشابه فقال بعد هذه العبارة (فعند هذا يتعين التأويل)[30] .

ومثل لهذا بقوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] ، وقال {فمن تمسك به كان متمسكا بالمتشابهات} بعد أن قدم الدليل العقلي على استحالة ظاهره عنده[31].

فهذا - مع ما يفعله سائر من يجعل نصوص ما لا يثبته من الصفات من المتشابه ثم يحتج بآية { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ .. } الآية [آل عمران: من الآية7]. على أنها على غير ظاهرها - من أصحاب هذا القول أمثلة تكشف أن هؤلاء المخالفين لما كان عليه السلف في باب الصفات ، قد أقحموا باب صفات الله تعالى في المتشابه ، ليتمكنوا من صرفها عن ظاهرها - الذي يزعمون استحالته عندهم بالأدلة العقلية - محتجين بإخبار الآية أن للمتشابه تأويلا .

لكن هؤلاء انقسموا إلى قسمين :

1- قسم لا يعين التأويل - أي المعنى المخالف للظاهر - مع القطع بعدم إرادة الظاهر ويحتج هؤلاء بأن الوقف في الآية على قوله { إلاّ الله } ، وهكذا يستريحون من هذه النصوص المثبته لما نفوه ، وينزلونها منزلة العدم ، بل يلزمهم أنها شر مــن العدم لأنها - على هذا الرأي - إنما جاءت لإظهار الباطل ، وإرباك العقيدة فحسب .

2- والقسم الآخر يعينه لأن الوصل هو الصحيح في الآية عندهم ، والراسخون في العلم يعلمون التأويل وهؤلاء أحسن ظنا في القرآن من أولئك[32] .

وأصحاب القول الأول ربما نسبوا قولهم هذا إلى السلف ، وربما نسب القول الثاني إليهم أيضاً ، والسر في هذا أن موافقتهم تعظمه النفوس المؤمنة لما جعل الله لهم من لسان صدق في الأمة ، ومن أمثلة هذا قول الزركشي في البرهان عن الآيات المتشابهات في الصفات :

اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث ثلاث فرق :

أحدهما : أنه لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها ولا يؤول شيء منها ، وهم المشبهه .

والثاني : أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ونقول لا يعلمه إلاّ الله ، وهو قول السلف .

الثالث: أنه مؤوله وأولوها على ما يليق به .

والأول باطل والأخيران منقولان عن الصحابة .. ثم قال (وممن نقل عنه التأويل عليّ ، وابن مسعود وابن عباس وغيرهم)[33] .

وقد نسب إليهم أيضاً أنهم لا يزيدون على تلاوة الآيات وقراءة الأحاديث في هذا الباب ، وسيأتي ذلك لاحقا .

ومن المعلوم عن المؤمنين بهذا الدين الحق أن الحق لا يخرج عن إجماع السلف ، فالقول الصحيح هو ما أجمعوا عليه .

وقد نسب إليهم قولان متناقضان ، قول الزركشي هذا ، وما ذكر أول المبحث ، فإذا تحقق مذهبهم وجب المصير إليه ، وتحقيقه هو المبحث الثاني .











المطلب الثاني
تحقيق القول الصحيح في هذا الباب
وبيان أسباب الخطأ في نسبة مذهب السلف الصحيح إليهم



وهو لا يخرج كما تقدم عن إجماع السلف فيجب أولاً تحقيق مذهبهم فإن صح عنهم إجماع في هذا الباب فهو القول الصحيح ، ثم تذكر بعد ذلك الأدلة على صحته من غير الإجماع .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي ، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه ....وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله)[34] .

وقال الإمام الذهبي رحمه الله (هذه الصفات من الاستواء والإتيان والنزول قد صحت بها النصوص ونقلها الخلف عن السلف ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل بل انكروا على من تأولها مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين وأن الله ليس كمثله شيء)[35] .

وقال أيضاً ( قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم وما أبقوا ممكنا فلو كان تأويلها سائغاً أو حتماً لبادروا إليه ، فعلم قطعاً أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق لا تفسير لها غير ذلك ، فنؤمن بذلك ونسكت إقتداء بالسلف معتقدين أنها صفات لله تعالى استأثر الله بعلم حقائقها وأنها لا تشبه صفات المخلوقين)[36] .

وقد دل على أن هذا مذهب السلف في الصفات - مع نقل هذين الإمامين المشهود لهما برسوخ القدم في معرفة المتقدمين ومذاهبهم - نقول كثيرة من أهل العمل بالآثار الذين أفنوا أعمارهم في ضبطها ونقلها ومعرفة صحيحها من سقيمها وفيما يلي طائفة منها ، وقد قصد بعض التطويل فيها ليعلم بذلك ما في كلام الزركشي المتقدم من التسامح في النقل ، وهي على ثلاثة أضرب :

الضرب الأول :

فيه حكاية ما كان عليه السلف ، أو أهل السنة ، أو أهل السمة والحديث عامة في نصوص الصفات بالجملة ، ولا ريب أن ما كان عليه أهل السنة والحديث هو مذهب السلف .

الضرب الثاني :

فيه حكاية ما كانوا عليه في بعض الصفات خاصة مما هو من جنس ما يذهب أهل التأويل إلى تأويله بما يدل على مذهبهم في سائرها .

الضرب الثالث :

نصوص خاصة عن أئمة السلف في هذا الباب تدل على أنهم لا يصرفون نصوص الصفات عن ظاهرها ويعلمون معانيها .

أما الضرب الأول : فمن ذلك :

(1) قال الأوزاعي رحمه الله ( كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله عز وجل فوق عرشه ونؤمن بما ورد في السنة من صفاته )[37] .

ومعلوم أنه لا يريد مجرد الإيمان بحروف هذه الجملة (الله عز وجل فوق عرشه) ، ولكنه رحمه الله حكى ما كان عليه التابعون واتباعهم من الإيمان بعلوّ لله على عرشه فهما مما أخبر به سبحانه عن نفسه أنه استوى على عرشه وأنه في السماء ، وقوله (نؤمن بما ورد في السنة من صفاته ) لا يريد قطعا السنة فحسب ، وإنما أراد التنبيه بالسنة على القرآن ، فإذا كان ما في السنة من نصوص الصفات يجب الإيمان به فما في القرآن أولى وأحرى .

(2) قال الإمام الشافعي رحمه الله ( القول في السنة التي أنا عليها ، ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل مالك وسفيان وغيرهما ، ... وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلفه كيف يشاء ، وينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء ... وذكر سائر الاعتقاد)[38] .

(3) قال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله ( جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار ...ثم قال وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئاً .... ثم قال وأن الله سبحانه على عرشه كما قال {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] وأن له يدين بلا كيف ، كما قال {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [صّ: من الآية75]، وكما قال {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: من الآية64] ، وأن له وجها كما قال {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ} [الرحمن:27] ، .... ثم قال ( ويقرون أن الله سبحانه يجيء يوم القيامة كما قال {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} [الفجر:22} [39] .

(4) قال الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي (اعلموا رحمكم الله أن مذاهب أهل الحديث ، أهل السنة والجماعة ، الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله ...خلق آدم بيده ويداه . مبسوطتان بلا اعتقاد كيف واستوى على العرش بلا كيف ...وذكر سائر اعتقاد أهل السنة )[40] .

(5) قال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي رحمه الله ( أما ما سألت عنه من الكلام في الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة الصحيحة فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها ) .

قال الذهبي بعد نقله قول الخطابي هذا ( وكذا نقل الاتفاق عن السلف في هذا الحافظ أبو بكر الخطيب ثم الحافظ أبو القاسم التيمي الإصبهاني)[41]

(6) قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله (أهل السنه مجمعون على الصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلاّ أنهم لم يكيفوا شيئا من ذلك )[42] .

(7) قال الحافظ أبو بكر الخطيب رحمه الله (أما بالكلام في الصفات فأما ما روى منها في السنن والصحاح فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها)[43] .

وانظر إلى التفاوت بين نقل هؤلاء الأئمة الحفاظ عن السلف أنهم يجرون نصوص الصفات على ظاهرها وبين نسبة هذا القول إلى المشبهة .

(8) قال الحافظ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم تبارك وتعالى بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله وشهد له بها رسوله على ما وردت به الأخبار الصحاح ونقله العدول الثقات ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه ولا يكيفونها تكييف المشبهه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزله والجهمية فيقولون إنه خلق آدم بيده كما نص سبحانه عليه في قوله عز من قائل {يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ..وذكر سائر الاعتقاد)[44] .

قال ابن قدامه في ذم التأويل بعد ذكر مقالة الصابوني ( وذكر الصابوني الفقهاء السبعة ومن بعدهم من الأئمة وسمي خلقاً كثيراً من الأئمة وقال : كلهم متفقون لم يخالف بعضهم بعضا ولم يثبت عن واحد منهم ما يضاد ما ذكرناه)[45] .

(9) قال الإمام أبو عيسى الترمذي إثر ما روى حديث أبي هريرة ( إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها ) : ( قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا قالوا : قد ثبتت الروايات في هذا ونؤمن به ولا نتوهم ولا نقول كيف ؟ هكذا روى عن مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمروها بلا كيف ، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة)[46] .

أما الضرب الثاني ، فمنه :

(1) قال قتيبة بن سعيد رحمه الله ( هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة : نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه كما قال جل جلاله { الرحمن على العرش استوى } قال الذهبي رحمه الله (فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على هذه المسألة وقد لقى مالكا والليث وحماد بن زيد والكبار )[47] .

(2) قال الإمام إسحاق بن راهوية رحمه الله (قال الله تعالى { الرحمن على العرش استوى } إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة )[48] .

(3) قال الحافظ عمر بن عبد البر رحمه الله (أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: من الآية7] هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج به)[49] .

(4) قال الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبد الله الإصبهاني (طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومما اعتقدوه ...ثم قال وأن القرآن في جميع الجهات مقروءاً ومحفوظاً ، ومسموعاً ومكتوباً وملفوظاً كلام الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة ...وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو سبحانه مستو على عرشه في سمائه دون أرضه ) ، . قال الذهبي (فقد نقل هذا الإمام الإجماع على هذا القول ولله الحمد )[50] .

(5) قال الحافظ أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله {وهو معكم أينما كنتم } ، ونحو ذلك من القرآن أنه علمه وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء وقال أهل السنة في قوله {الرحمن على العرش استوى } ، الاستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز)[51] .

(6) قال الإمام أبو عبد الله القرطبي صاحب التفسير الكبير (وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف أنه استوى على العرش حقيقة وخص العرش بذلك لأنه أعظم المخلوقات وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته قال مالك: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة )[52] .

الضرب الثالث : ومنه :

مما يدل على أن السلف تكلموا في معاني نصوص الصفات ، ولم يؤولوها ما ورد من ألفاظ من عند أنفسهم ، تخالف ألفاظ النصوص في هذا الباب ، وتصرفهم في ذلك بعبارات دالة على نفس المعنى ، وكذلك ما ورد عنهم من التصريح بعدم التأويل ، وهذا كثير جداً ، ومن أمثلته عن أشهر علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم :

(1) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (الكرسي موضع القدمين)[53] .

(2) وعنه أيضاً قال ( تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في الله فإن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور والله فوق ذلك تبارك وتعالى)[54] .

(3) وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال ( ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء الثالثة والتي تليها وبين الأخرى مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام ، وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام ، والعرش فوق الماء والله عز وجل فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه )[55] .

(4) وعنه قال ( إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى إذا تيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سماوات فيقول للملائكة ( اصرفوه عنه فإنه إن يسرته له أدخلته النار)[56] .

(5) وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ( خلق الله أربعة أشياء بيده : العرش والقلم وعدن وآدم ثم قال لسائر الخلق كن فكان )[57] .

(6) عن جعفر بن أبي المغيرة قال ( سألت سعيد بن جبير عن الألواح من أي شيء كانت ؟ قال : من ياقوته كتابه الذهب كتبها الرحمن بيده فسمع أهل السموات صريف القلم وهو يكتبها )[58] .

(7) وعن مجاهد في قوله عز وجل { وقربناه نجيا } قال : ( بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب فما زال موسى عليه السلام يقرب حتى كان بينه وبينه حجاب فلما رأى مكانه وسمع صريف القلم {قال رب أرني أنظر إليك} )[59] .

(8) وعنه أنه فسر استوى بمعنى علا على العرش[60] .

(9) قال الاوزاعي : (كان الزهري ومكحول بقولان أمروا هذه الأحاديث كما جاءت )[61]

(10) عن أبي مطيع قال : ( سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقال كفر لأن الله يقول {الرحمن على العرش استوى} وعرشه فوق سماواته )[62] .

(11) قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في العقيدة التي ألفها (ذكر بيان السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف وأبي محمد رضي الله عنهم ... ثم ذكر في هذه العقيدة مثل ما تقدم عن السلف رضي الله عنهم وهي العقيدة المشهورة بالطحاوية .

(12) وعن سفيان الثوري قال الذهبي ( وقد بث هذا الإمام الذي لا نظير له في عصره شيئاً كثيراً من أحاديث الصفات ومذهبه فيها الإقرار والإمرار والكف عن تأويلها)[63] .


(13) وقال مالك (الله - عز وجل - في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء وتلا هذه الآية {وما يكون من نجوي ثلاثة إلاّ هو رابعهم ولا خمسة إلاّ هو سادسهم} )[64] .

(14) وعن أحمد بن نصر أنه سأل سفيان بن عيينة فقال : حديث عبد الله (إن الله يجعل السماء على إصبع) وحديث (إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن ) ، ( وإن الله يعجب أو يضحك ممن يذكره في الأسواق ) ، (وإنه عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ) ونحو هذه الأحاديث فقال : هذه الأحاديث نرويها ونقر بها كما جاءت بلا كيف )[65] .

(15) وقال يزيد بن هارون (من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي ) قال الذهبي (والعامة ) مراده بهم جمهور الأمة وأهل العلم )[66] .

(16) وقال الوليد بن مسلم (سألت مالك بن أنس والثوري والليث بن سعد و الأوزاعي عن الأخبار التي في الصفات فقالوا أمروها كما جاءت )[67] .

(17) وقال الفضيل بن عياض (ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف لأن الله وصف نفسه فأبلغ فقل { قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد } فلا صفة أبلغ مما وصف الله به نفسه ، وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة ، وهذا الاطلاع ، كما شاء أن ينزل وكما شاء أن يضحك فليس لنا أن نتوهم أن كيف وكيف ، وإذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنت أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء ) [68] .

(18) وأما الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه فإن مذهبه في عدم تأويل الصفات وإجراؤها على ظاهرها متواتر عنه ولم يزل جمهور الحنبلية على هذا القول .

خلاصة ما تقدم :


فهذه النصوص عمن هم من أعلم الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الدين وهم كذلك أهل الفتيا والاجتهاد في عصور السلف وما بعده ، تنطق بوضوح متواطئة على أن مذهب السلف الذي لا إختلاف فيه ، هو إجراء نصوص الصفات على ظاهرها مع نفي التشبيه عن الخالق ، وأنهم فهموا من هذه النصوص التي لا يفرقون بين القرآنية والحديثية منها ، أنها تخبر عن صفات الله تعالى الذاتية ، والفعلية ، وهي معلومة المعنى عندهم ، ولولا هذا لما قال ابن عباس (الكرسي موضع القدمين) ولما قال (إن الله فوق النور الذي فوق السموات ) أخذا من أدلة العلو ، ولما قال ابن مسعود مثل هذا ، ولاصح أن يستثني ابن عمر من خلق الأشياء بكلمة كن ، أربعة أمور فحسب ، ويجعلها مما خلقه الله تعالى بيده ، ولا قال سعيد ين جبير (كتبها الرحمن بيده ) ، ومجاهد استوى بمعنى (علا على العرش) ، ولا قال من بعد هؤلاء ، بائن من خلقه ، مستو على عرشه ، يقرب من خلقه ، وما يشبه هذه الألفاظ .

ولو أنهم كانوا لم يفهموا من هذه النصوص شيئاً ، أو كانوا يؤولونها لما جاز هذا منهم ، ولصرحوا بذلك وعلمه من هم أعلم الناس ، بأقوالهم وهم الذين تقدم الاعتماد عليهم في النقل.

وقد طبعت مؤلفات كثيرة ، ذكرت مذهب السلف كما ذكر هنا ، وسارت على طريقتهم في العقيدة وهي كثيرة ، كالتوحيد لان خزيمة ، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ، والسنة لابن أبي عاصم ، والسنة لعبد الله بن أحمد ، والسنة لمحمد بن نصر المروزي ، العلو للذهبي ، والرد على الجهمية للدارمي ، والنقض على المريسي له أيضا ، والشريعة للاجري ، وعقيدة السلف للصابوني ، والرد على الجهمية لابن منده ، وكتاب النزول والصفات للدارقطني ، وغيرها أيضا .

* الرد على من زعم أن السلف كانوا لا يعبرون عن معاني نصوص الصفات ، بغير تلاوتها المجردة ، لانهم لم يكونوا يفهمون منها شيئا :

وهذه الروايات الآنفة الذكر ، إنما قصد بها التمثيل فحسب ، لأن حصرها يتطلب جهداً كبيراً ويوسع البحث جداً ، مع أن هذا الأمر أوضح وأشهر من أن يتكلف له النقل ، لولا وجود من يدّعي خلافه ممن لم يمعن النظر في أقاويل الصحابة والتابعين في كتب التفسير والسنة.

ومن هؤلاء الزركشي رحمه الله كما تقدم عنه في آخر المبحث الأول ، أنه نسب إلى السلف مذهب أهل التأويل ، الذين يقولون ظاهر نصوص الصفات غير مراد، وحكى مذهب السلف ونسبه إلى المشبهة.

وليس الإمام الزركشي رحمه الله ممن قصر علمه في الحديث ، لكن يبدو أنه قلد غيره في هذا النقل ، فإن بعض العلماء المتقدمين ، والمتأخرين ، ادعوا أن مذهب السلف ، لا يختلف مع مذهب الخلف في أن الظاهر من النصوص المدعى أنها توهم التشبيه غير مراد ، وأنها لا تدل على صفات الله ، إلاّ أن السلف يفوضون معانيها المراده ، ويلتزمون السكوت عن ذلك وعدم الخوض فيه ، وزاد بعضهم أن من مذهبهم عدم تصريف هذه النصوص ، ولا تغيير ألفاظها ، ولا تقديم ، وتأخير ، شيء من ذلك[69] .

وممن ادّعى ذلك أبو حامد الغزالي رحمه الله في إلجام العوام[70] ، والرازي في أساس التقديس[71] .

والبيجوري شارح جوهرة التوحيد قال ( ((أو فوض)) أي بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره فبعد هذا التأويل فوض المراد من المعنى الموهم إليه تعالى على طريقة السلف وهم من كانوا قبل الخمسمائة وقيل القرون الثلاثة ، الصحابة والتابعون واتباع التابعين وطريقة الخلف أعلم وأحكم)[72] .

ومن المتأخرين ، صاحب كتاب بعنوان : متشابه القرآن[73] .

وقد ذكر في هذا الكتاب مما ينبغي التوجه بالرد عليه ، أن مما يتفرع على مذهب السلف هو عدم تغيير النص الوارد في هذا الباب ، يريد عدم روايته بالمعنى ، ومثل لذلك بأن يقال استوى على العرش ، ولا يقال فوق العرش[74] .

وأعجب شيء زعم هؤلاء الذين يزعمون أن السلف لم يكونوا يغيرون النص الوارد في باب ذكر صفات الله تعالى ، لأنهم كانوا يعاملونها معاملة نصوص بلا معنى.

يزعمون أن هذا هو مذهب السلف ، والكتب طافحة بالروايات التي يتصرفون فيها بألفاظهم ، لا سيما في مسألة العلو ، وأشهر كتاب في ذلك كتاب العلو للحافظ الناقد الذهبي وقد تقدم بعض الأمثلة منه ، ولو طولب صاحب كتاب متشابه القرآن ، بنص واحد عن أحد من السلف في النهي عن تغيير ألفاظ نصوص الصفات وأن لا يقال فوق العرش لما قدر عليه ، وغاية ما أمكنه أن يأتي به ليبرهن على صحة دعواه بعض الأقوال التي توهم ما أراد إيهامه ، من أن السلف كانوا لا يفقهون معنى هذه النصوص وهي في الحقيقة ، إذا فسرت بأقوال أخرى لهم ، تبين أنها دالة على ضد ما أراده وهذه الأقوال هي :

(1) قول سفيان بن عيينة (كل ما وصف الله به نفسه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه ) ، وقد رواه البيهقي في الأسماء والصفات[75] .
وليس فيه أن آيات صفات لا يعلم معناها بدليل قوله إنها مما وصف الله به نفسه ، فقد صرح أنها من صفات الله ، فمعنى قوله (تفسيره تلاوته أي : أن معناه واضح ، وقوله (والسكوت عليه) أي : لا يؤول ويصرف عن كونه صفة ، ولم يرد عنه أن هذه النصوص لا يعلم المراد منها ، ولا تغير ألفاظها ، بل قد ورد عنه ما ينقض هذه الدعوى فقد قال الذهبي في كتاب السير[76] : قال الحافظ ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن الفضل بن موسى[77] ، حدثنا محمد بن منصور الجواز[78] قال رأيت سفيان بن عيينة ، سأله رجل ما تقول في القرآن ، قال (كلام الله منه خرج وإليه يعود) ، وأين في القرآن لفظ (منه خرج) الذي يمنع منه أهل التأويل ، أما المعتزلة ، فأن القرآن مخلوق خلقه في غيره ، وأما غيرهم فقد صرح في شرح العقائد النسفية أن القرآن المؤلف من السور والآيات مخلوق لله وأن الله لا يسمع منه كلام[79] .

فكأنما سفيان قد أراد بقوله إبطال القولين ، وهو دليل على أنه فهم من النصوص المخبرة عن كلام الله ، أن الله تكلم بالقرآن حقيقة ، خرج منه فسمعه جبريل وموسى وغيرهما من أصفيائه عليهم السلام .

(2) قول الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ومالك والثوري والليث بن سعد (أمروها كما جاءت بلا كيف ) وقد تقدم[80] ، وليس في هذا ما ادعاه ، أما الأوزاعي فقد قال (كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله على عرشه ونؤمن بما ورد في السنة من صفاته)[81] .

وقد أنكر من يزعم أن مذهب السلف إمرار نصوص الصفات ، من غير تغير في ألفاظها ، التعبير عن معانيها بغير التركيب الوارد ، حتى أنكر بعضهم أن يقال فوق العرش ، فليت شعري ، كيف يفسر هؤلاء مقالة الأوزاعي هذه .

وأما مالك فقد تقدم قوله (الله عز وجل في السماء ، وعلمه في كل مكان)[82] ، وأما الثوري فقد تقدم قول الشافعي (القول في السنة التي أنا عليها ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل مالك وسفيان وغيرهما ، فذكر أن الله على عرشه في سمائه )[83] .

(3) قول مالك ( الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ) وقد رواه البيهقي في الأسماء والصفات[84] ، وقوله غير مجهول : أي معلوم كونه صفة لله ، يبين هذا ، الرواية التي جوّد إسنادها ابن حجر[85] ، وقد رواها البيهقي أيضاً[86]: قال مالك (الرحمن على العرش استوى كما وصف به نفسه ولا يقال كيف ) فذكر أن الاستواء صفة لله ، وترى الذين يزعمون أن مذهب السلف الجمود على ألفاظ نصوص الصفات من غير فهم لمعانيها ، يعرضون عن مثل هذه الرواية الصريحة ، ويوردون الروايات التي تخدم غرضهم فحسب .

(4) قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن (الكيف مجهول والاستواء غير معقول ) وهذا اللفظ رواه البيهقي في المصدر السابق من طريق عبد الله بن صالح[87]، وقد روى هذا الخبر الذهبي في العلو[88] من طريق سفيان الثوري بلفظ ( الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ) ، ورواه اللالكائي[89] .

ومعلوم أن الثوري لو خالف - وحده - عبد الله بن صالح قدم عليه ، فكيف إذا وافقه ابن عيينة ، وهذا اللفظ ورد عن أم سلمة رضي الله عنها وقال الذهبي إنه ثابت عن ربيعة ومالك ولا يثبت عن أم سلمة[90] .

فهذه الرواية توضح المراد من قول الإمام مالك ، مع أنه يمكن التوفيق بينها وبين رواية ( الاستواء غير معقول ) ، بأن يقال معنى غير معقول ، أي غير معقول الكيفية ، وقوله الكيف مجهول يدل على إثبات صفة الاستواء إذ من لا يثبت الصفة لا يحتاج إلى أن يقول (الكيف مجهول) .

(5) قول الإمام أحمد (نؤمن ونصدق بها ولا كيف ولا معنى) ، عن حديث الرؤية والنزول ، وقصد الإمام نفي المعاني التي يذكرها أهل التأويل ، أي لا معنى غير ما يظهر منها كما قال ابن تيمية رحمه الله (لا كيف ولا معنى أي لا نكيفهـا ولا نحرفها بالتأويل)[91]، وماذا عسى أن تفسر رؤية المؤمنين ربهم بغير أن يقال يرى المؤمنون فذلك قال ( لا معنى ) أي لا معنى غير هذا.

ولا يزال العجب يتزايد ممن لا يعلم أن الإمام أحمد قد تكلم في معاني نصوص الصفات مع كثرة ذلك عنه ، ومما ورد عنه في ذلك ، قال الخلال ( وأنبأنا أبو بكر المروذي سمعت أبا عبد الله وقيل له إن عبد الوهاب قد تكلم وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام فتبسم أبو عبد الله وقال ما أحسن ما قال عافاه الله)[92] .

ومن ذلك أيضاً مما يفسر معنى قوله (نرويها كما جاءت ) ما رواه الخلال أيضاً : (قال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن قوم يقولون لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت ، قال أبي : بلى تكلم تبارك وتعالى بصوت وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت )[93] .

ومما يبين أنهم يريدون بقولهم لا نفسرها أي ، لا نتكلم في الكيفية ، أو لا نفسرها بما يخرجها عن كونها صفة الله ما رواه الذهبي بإسناده عن أبي عبيد القاسم بن سلام الإمام المشهور ، أنه ذكر الباب الذي يروي فيه الرؤية ، والكرسي موضع القدمين ، وضحك ربنا ، وأين كان ربنا ، فقال (هذه أحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء ن بعضهم عن بعض وهي عندنا حق لا نشك فيه ، ولكن إذا قيل كيف يضحك ؟ وكيف وضع قدمه قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره)[94] .

وقال الأثرم (قلت لأبي عبد الله حدث محدث وأنا عنده بحديث (يضع الرحمن فيها قدمه) وعنده غلام فأقبل على الغلام فقال : إن لهذا تفسيراً ، فقال أبو عبد الله (انظر إليه كما تقول الجهمية سواء)[95] .

فهذا مع ما تقدم يدل على أن معنى قولهم أمروها كما جاءت ، كما قال ابن تيمية (فقولهم أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها جاءت ألفاظاً دالة على معان فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد )[96] .

وأن معنى قولهم بلا تفسير ولا معنى كما قال ابن تيمية ( أي لا نكيفها ولا نحرفها بتأويل)[97] .

فما يدعيه الذين يزعمون أن القول بأن الله فوق عرشه تحكــم وقول أقرب إلى التجسيم ، قد يفسر بأنهم يتكلمون على وفق مذهبهم في هذا الباب ، أما أن يدعي مدع أن هذا موافق لمذهب السلف ، ويزيد على ذلك أن من مذهبهم عدم إطلاق مثل هذه العبارات ، ولا تغيير ألفاظ النصوص لأنهم يفوضون معانيها ، فهذا قول موغل في الخطأ ، كما دل على ذلك النقول الكثيرة المتقدمة ، لا سيما في باب العلو وقد وجد ذلك أيضاً في أشهر كتب السنة ، فقد روى البخاري عن زينب رضي الله عنها قالت (زوجني الله من فوق سبع سماوات)[98] .

هذا وقد أوقع هؤلاء الذين غلوا على السلف هذا الغلط ، أمران :

الأول : اعتمادهم على من يتعمد ترك الروايات الكثيرة الدالة على حقيقة مذهب السلف مع علمه بها ، ويظهر الروايات المحتملة ليثبت بذلك أن مذهب السلف هو اعتقاد عدم إرادة الظاهر ، ثم السكوت عن الخوض في المراد إيثاراً للسلامة ، ليبني على ذلك أن سكوتهم ليس دليلاً على التحريم ، وبهذا يوهم عدم الخلاف بين الخلف والسلف ، ومن هؤلاء الكوثري كما دل على ذلك تعليقه على ( تعيين كذب المفتري )[99] ومقدمته لكتاب الأسماء والصفات للبيهقي ، وتعليقه على النظامية[100] ، وقد أطنب الشيخ المعلمى في بيان تلبيسه في سبيل أن ينصر مذهبه[101] .

والثاني : اعتماده على من ليس له حظ عظيم في العلم بالأخبار السلفية كالغزالي والرازي رحمهما الله .


* أسباب الخطأ في نقل مذهب السلف :

والعجيب من الإمام الزركشي رحمه الله أنه نقل القول بالتأويل عن علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم من الصحابة ، فإن كان يعني التأويل المصطلح عليه - وهو الذي يعنيه - فهو نقل بعيد عن الصواب ، وقد تسامح بعض المفسرين في نقل مثل هذا عن السلف فمن ذلك ما ذكره أبو حيان رحمه الله قال (وقيل عن ابن عباس يداه نعمتاه ) ثم قال ( وقال قوم منهم الشعبي وابن المسيب والثوري نؤمن بها ونقر كما نصت ، ثم أن هذا من قول من لم يمعن النظر في لسان العرب)[102] ، ومن ذلك أيضاً ما نسبه في الفرق بين الفرق إلى علي بن أبي طالب أنه قال : ( إن الله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته لا مكانا لذاته)[103] ، وما نسبه صاحب كتاب التبصير في الدين إليه أنه سئل أين الله ؟ فقال ( إن الذي أين الأيّن لا يقال له أين)[104] ، وقال المؤلف إن هذا أشفى البيان ، كذا قال : مع أن علياً رضي الله عنه يجل عن مثل هذا الكلام ، فإنه من أفسد القياس مع مخالفته الصريحة للكتاب والسنة .

وأعجب من هذا كله أن الأخير ، ذكر ما خاض فيه المتكلمون من مسائل الكلام مثل أن الله تعالى ليس بجسم ، ولا جوهر ، ولا عرض ، وليس له حد ولا نهاية ، ولا مجيء ، ولا ذهاب ، ولا ، ولا ، إلى آخر هذه السلوب ، وأن الله لا تحل فيه الحوادث ولا يقال له أين ، وكلامه واحد ، أمر ، ونهي ، وخبر ، واستخبار ، وأن الاستواء هو القصد ، وما يشبه هذا ، ثم نسب هذا كله وأمثاله ، إلى جميع أهل السنة والجماعة ، وذكر الأئمة الأربعة ، و الأوزاعي ، والليث بن سعد ن والسفيانين ، وأصحاب الحديث ، والرأي ، بل والصحابة والتابعين[105] ، فإن كان لا يدري أن السلف أجمعوا على النهي عن الخوض في مثل هذا ، وعلى إثبات الصفات المذكورة في الكتاب والسنة ، ثم يحكي الإجماع على خلاف الإجماع ، فيا خيْبة المسعى ، وإن كان يدري ، فأمر وأدهى .

ومثل حكاية الإجماع هذه ، ما حكاه بعض المتكلمين من اتفاق المسلمين على أن الأجسام تتناهى في تجزئتها ، وانقسامها ، حتى تصير أفرادا ، وهو الجوهر الفرد[106] ، وكيف يتصور أن يتفق المسلون على مسألة الجوهر الفرد ، التي لم تخطر على بال أحد من الأنام ، حتى تكلم فيها إلاّ أهل الكلام .

وإن كان الخطأ قد وقع في مثل نقل الإجماع على ما هو خلاف الإجماع ، فوقوعه في نسبة بعض الأقوال إلى قائليها أقرب ، وسبب ذلك يرجع إلى ثلاثة أمور :

السبب الأول :


الخطأ في فهم مراد القائل ، وذلك إنما يرجع إلى عدم الإحاطة بجميع أقواله ، ليمكن بذلك فهم مراده ، وتقييد ما أطلقه ، وتفسير ما أبهمه .

ومن أمثلة ذلك ما ورد في بعض ما نقل عن السلف من قولهم ، أمروها كما جاءت بلا تفسير ، وقولهم قراءتها تفسيرها ، فظن من ظن أنهم يريدون الجهل بمعنى الخطاب ، وأنها لا تدل على شيء ، وليس الأمر كذلك ، بل أرادوا بلا تفسير غير ما يفهم منها ، أو بلا تفسير لكيفياتها ويدل على هذا :

(1) ما جاء في بعض الروايات فمن ذلك : قال الأثرم : ( قلت لأبي عبد الله : حدث محدث وأنا عنده بحديث (يضع الرحمن فيها قدمه ) وعنده غلام ، فأقبل على الغلام فقال إن لهذا تفسيرا ، فقال أبو عبد الله : أنظر إليه كما تقول الجهمية سواء)[107] . ومن ذلك أيضاً: قال محمد بن إبراهيم الأصفهاني سمعت أبا زرعة الرازي وسئل عن تفسير {الرحمن على العرش استوى} فغضب ، وقال تفسيرها كما تقرأ هو على عرشه وعلمه في كل مكان)[108] فهذا يبين ما يقصدون بقولهم بلا تفسير ، أو تفسيرها قراءتها .

(2) وأن في بعض الروايات جاءت كلمة (الكيف) مكان كلمة (التفسير) فمن ذلك : قال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي ومالك والثوري والليث عن الأحاديث التي فيها الصفات فكلهم قالوا أمروها كما جاءت بلا تفسير وفي رواية بلا كيف[109] .

(3) وأنهم يحتجون بها على إثبات الصفة ، كاحتجاجهم بقوله تعالى {الرحمن على العرش استوى} على أنه فوق العرش ، وذلك أدل شيء على أنهم فهموا من ذلك معنى العلو.

(4) وأنهم يذكرون ألفاظاً من عند أنفسهم تدل على ما دلت عليه الآية ، من أنها صفات لله تعالى كقوله ، له وجه ، وله يد ، وبائن من خلقه ، وما يشبه هذا، فهذا يدل على أنهم فهموا أنها دلت على صفات لله تعالى ، كما يفعل أصحاب الكتب المصنفة في الصفات فيقولون باب صفة الوجه ، باب صفة الاستواء ، وهذا مشهور جداً .

وفي هذا دلالة على أن عدم جمع الروايات ، هو السبب في نسبة القول بأن آيات الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه المخالف للظاهر ، نسبته إلى السلف[110] .

وأما نسبة التأويل إليهم مما يرجع إلى هذا الأمر الأول فله مثالان :

الأول : ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: من الآية42] أن المراد به الشدة ، أي أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة ، وقال أيضاً (عن أمر عظيم)[111] ، وليس هذا من باب التأويل - بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه - فإن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات ، (فانه قال - تعالى – {يوم يكشف عن ساق } ، وهي نكرة في سياق الإثبات لم يضفها إلى الله ، ولم يقل ساقه فمع عدم التعريف والإضافة ، لا يظهر أنه من الصفات إلاّ بدليل آخر ، ومثل هذا ليس بتأويل ، وإنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ، ومفهومها ، ومعناها المعروف)[112] .

الثاني : قوله تعالى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: من الآية115] فقد جاء عن مجاهد أنه قال (قبله الله)[113] ، فظن بعض الناس أنه من باب التأويل وليس كذلك أيضاً فإن الوجه هو الجهة ، يقال قصدت هذا الوجه وسافرت إلى هذا الوجه كما في قوله تعالى {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: من الآية148] ، والجهة هي القبلة ولذلك قال فأينما تولوا ، أي تستقبلوا فقول مجاهد فثم قبلة الله هو باعتبار أن الوجه والجهة واحد ، فهو تفسير في هذا الموضع لهذه الكلمة بحسب اللغة ، وما دل عليه السياق ولو أنه قال وجه الله المراد ذاته ، وليس لله صفة هي الوجه لصح بذلك العقل عنه أنه يقول بجواز التأويل الاصطلاحي[114] .

السبب الثاني :


هو قلة العلم بالأخبار ، والآثار المنقولة ، عن الصحابة ، والتابعين ، وأئمة السلف ، قال ابن تيمية رحمه الله (وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم ، وسلوك سبيلهم ، ولا لهم خبرة بأقوالهم، وأفعالهم ، بل في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به ، لا يعرفون طريق الصحابة والتابعين في ذلك ، من أهل الكلام ، والرأي والزهد ، والتصوف ، فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين ، إنما هو عما يظنونه من الإجماع ، وهم لا يعرفون في ذلك أقوال السلف البتة ، أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرها)[115] .

وقد تقدم ما يبين صحة هذا الذي حكاه هذا الإمام ، ومما يزيد تأكيد هذا الأمر عدم معرفة بعض المتكلمين في مسائل الصفات والعقائد لأحاديث الصحيحين المشهورة ، قال ابن حجر رحمه الله (واستشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه واتفاق الشيخين وسائر الذين خرجوا الصحيح على تصحيحه ، وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث وقلة الاطلاع على طرقه)[116]

ذكر ابن حجر هذا في شرح حديث ابن عمر الذي رواه الشيخان ، وغيرهما ، قال (لما توفي عبد الله بن أبيّ جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ..مذكر أن عمر قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- لما أراد أن يصلي على بن أبيّ أتصلي عليه وهو منافق فقال إنما خيرني الله فقال (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم .. الآية فقال سأزيده على السبعين ...الحديث )[117] .

ومعلوم أن من كان لا يعرف مثل هذه الأحاديث فبضاعته مزجاة في ما هو دون ذلك من أقوال الصحابة والتابعين المنثورة في كتب التفسير وأجزاء الحديث ، فلا يستغرب إذن أن يخطأ مثل هؤلاء في نقل مذهب السلف ، وإن كان في أهم مسائل الدين ، بينما يصيب من يقول ( وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة ، وما رووه من الحديث ، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى ، من الكتب الكبار، والصغار أكثر من مائة تفسير ، فلم أجد - إلى ساعتي هذه - عن أحد من الصحابة ، أنه تأول شيئاً من آيات الصفات ، أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف ، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته ، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلاّ الله ، وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير)[118] .ويقول (والله يعلم أني بعد البحث التام ومطالعة ما أمكن من كلام السلف ما رأيت كلام أحد منهم يدل لا نصّاً ولا ظاهراً على نفي الصفات الخبرية ...)[119] .

وهاتان عبارتا شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهما تدلان على أن ذكره لمذهب السلف يقوم على استقراء تام ، ولذلك تحدى من يأتي بخلاف ما ذكر ، وأمهل المخالفين ثلاث سنين ، ففتشوا الكتب فظفروا بما تقدم من آية القبلة فحسب ، وهي غير دالة على ما قصدوه[120] .

السبب الثالث:


الاعتماد على طريق ضعيف ، إما من جهة ضعف بعض الرواة أو من جهة خطأ الثقة فيما روى ، ومن أمثلة هذا الأخير :

قال ابن الجوزي (قوله تعالى { إلاّ أن يأتيهم الله } ، كان جماعة من السلف يمسكون عن الكلام في مثل هذا ، وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال ( المراد قدرته وأمره ) وقد بينه في قوله تعالى {أو يأتي أمر ربك} )[121] .

ولم يزد ابن الجوزي على هذا ، وهذا الذي ذكره القاضي ، قد رواه حنبل ابن عم الإمام في ذكر محنة أحمد المشهورة ، أنه لما احتج عليه المعتزلة بحديث (اقرؤوا البقرة ، وآل عمران ، فانهما يجيئان يوم القيام كأنهما غمامتان ، تحاجان عن صاحبهما ) في خلق القرآن ، وزعموا أنه لا يوصف بالمجيء والإتيان إلاّ المخلوق ، عارضهم بقوله تعالى {هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} قال : إنما يأتي أمره ، يريد أن الذي يأتي ثواب القرآن ، قال ابن تيمية ( ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرة أحمد في ذلك ، فمنهم من قال ، لم يقل أحمد هذا ، وقالوا حنبل له غلطات معروفة وهذا منها )[122] .

وقال الذهبي عن حنبل : له مسائل كثيرة عن أحمد ويتفرد ويغرب[123] ، وقال أبو بكر الخلال ، قد جاء حنبل عن أحمد بمسائل أجاد فيها الرواية ، وأغرب في شيء يسير)[124] .

وذكر ابن تيمية بعد ذلك ، أن من الحنابلة من قال : إنما قال أحمد ذلك إلزاما لهم ، أي كما أنكم تقولون يجيء أمره ، فكذلك قولوا في القرآن ، يجيء ثوابه ، ولا تقولوا مخلوق ، ومنهم من جعل هذا رواية عن أحمد ، وأن ابن الجوزي لما كان يميل إلى التأويل جعل هذا عمدته[125] .

ومن المعلوم أن الثقة قد يخطأ ، وأن هذا يعرف باعتبار قوله مع غيره ، فإن نقل الأكثر أو الأوثق ما يدل على أنه أخطأ، طرح خطؤه، وإذا كان هذا مما يعرف به خطأ الثقات ، في نقل الأحاديث النبوية فيحكم عليها بالشذوذ ، فكيف في نقل المذاهب.

ورواية حنبل هذه خالف فيها ما رواه بنفسه عن أحمد، مثل ما ذكره الإمام ابن تيمية رحمه الله مما رواه حنبل عن أحمد، فذكر كلاما كثيرا في اعتقاده في الصفات وفيه (ونؤمن بالقرآن محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة لشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول، وخلوه بعبده ووضعه كنفه عليه، هذا كله يدل على أن الله يرى في الآخرة … )[126]
أما ما رواه غيره فكثير ، كما قال ابن تيمية رحمه الله (ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية، ويبين أنه لا يقول إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره بل هو ينكر على من يقول ذلك)[127] .
وبهذا المثال يحصل التنبيه على النوع الأول، فإن الذي يخطأ في الاعتماد على نقل الثقة إذا لم يعتبره بغيره، فخطؤه في الاعتماد على رواية الضعيف أولى.

وبهذه الأمور الثلاث حصل الخطأ في حكاية مذهب السلف في هذا الباب في كتب أصول الدين ، والتفسير ، وعلوم القرآن ، وهو منحصر في ثلاث جهات:

الأولى: نسبة القول بأن ظاهر آيات الصفات ليس هو المراد منها وأن المراد هو تأويلها الذي لا يعلمه إلا الله.

الثانية : نسبة القول بأن ظاهر آيات الصفات غير مراد منها والمراد هو تأويلها الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم.

الثالثة : نسبة القول بأنهم لا يزيدون على تلاوة الآيات ولا يفهمون منها شيئاً.

وفيما تقدم من الروايات عنهم ما ينطق بخطأ هذا كله، وفي هذا كفاية في بيان مذهب السلف قاطبة في آيات الصفات عامة.

* تنبيهات مهمة جدا :

غير أنه ينبغي التنبيه على ثلاثة أمور تفصل ما أجمل من العبارات الحاكية لمذهب السلف وتزيل بعض الإشكال على من لم يمعن النظر في مقالاتهم:

أما الأمر الأول:

فهو معنى قولهم إن الصفات تجرى على الظاهر .
ذلك أن الظاهر صار مشتركا هنا بين شيئين:
أحدهما: أن يقال إن ظاهر هذه الصفات هو مماثلة صفات المخلوقين، فاليد جارحة مثل جوارح العباد، وظاهر الغضب غليان القلب لطلب الانتقام ، وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف.

والثاني : أن يقال إن الظاهر من هذه الصفات ، هو أنها صفات لله كما يليق بجلاله[128] ، والأول هو قول المشبهة، والثاني هو قول السلف ، ولذلك يقولون استوى كيف شاء ، وينزل كيف يشاء ، وله يد ، ونجهل الكيفية .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (فإن ظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع ، وقد يكون بسياق الكلام، وليست هذه المعاني المحدثة المستحيلة على الله تعالى ، هي السابقة إلى عقل المؤمنين، بل اليد عندهم كالعلم ، والقدرة ، والذات ، فكما أن علمنا وقدرتنا، وحياتنا وكلامنا، ونحوها من الصفات أعراضا تدل على حدوثنا ، يمتنع أن يوصف الله سبحانه بمثلها، فكذلك أيدينا ، ووجوهنا ، ونحوها أجساما كذلك محدثة، يمتنع أن يوصف الله بمثلها، ثم لم يقل أحد من أهل السنة ، إذا قلنا لله علما ، وقدرة ، وسمعاً ، وبصراً ، أن ظاهره غير مراد، إذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم أو عرض للجسم)[129] .

وقوله (لم يقل أحد من أهل السنة … إلخ ) معناه: إن أكثر الذين يقولون بالتأويل ـ وهؤلاء الأكثر هم المثبتون لبعض الصفات ـ يقولون إن ظاهر السمع والبصر والحياة، والإرادة وغيرها مما يثبتون ـ ليس هو المماثلة لصفات المخلوقين .
بل أن من يثبت بعض الصفات الخبرية كاليد والوجه ، ممن يقول بالتأويل في غيرها لا ،يجعل ظاهر ما يثبته هو المفهوم من صفات المخلوقين.

كما قال الايجي في المواقف: (الخامسة: اليد، قال تعالى {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: من الآية10] ، {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [صّ: من الآية75] ، فأثبت الشيخ صفتين ثبوتيتين زائدتين، وعليه السلف، وإليه ميل القاضي في بعض كتبه … )[130] .

والشيخ هو أبو الحسن الأشعري، والقاضي هو أفضل المتكلمين من أصحاب الأشعري (أبو بكر الباقلاني)[131] .

وقد قال في التمهيد (باب : في أن لله وجها ويدين، فإن قال قائل: فما الحجة في أن لله عز وجل وجها ويدين، قيل له : قوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} ، وقوله {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ، فأثبت لنفسه وجها ويدين ..).

ثم لما أبطل تأويلهما قال (فإن قال قائل فما أنكرتم أن يكون وجهه جارحة ، إذ لم تعقلوا يد صفة ووجه صفة لا جارحة؟ يقال له: لا يجب ذلك، كما لا يجب إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما ، أن نقضي نحن وأنتم على الله تعالى بذلك .. )[132] .

والمقصود أن كما أن ظاهر هذه الصفات ، لا يماثل ما للمخلوقين عند من يثبتها ، فكذلك ينبغي أن يكون في سائرها .

وهذا لازم للمعتزلة أيضا لأنهم يثبتون الأسماء لله فيقولون حي عليم قدير ، ويؤولون الصفات ، فلابد لهم من القول بأن الظاهر من هذه الأسماء ، ليس مماثلة المخلوق في أسمائه إذ هي الأسماء الحسنى.

فهذا هو معنى قولهم ـ تجرى على ظاهرها ـ وهو الظاهر الذي يتبادر إلى العقل السليم ، الذي استقر فيه أن الذات الإلهية ، لا تماثل ذوات المخلوقين ، فعلم أن الصفات المتعلقة بها كذلك لا تماثل صفات المخلوقين ، إذ هي فرع عليها فكما أن إثبات الذات إثبات وجود لا كيفية فكذلك إثبات صفاتها[133] .

والمعنى الأول ، أي قول القائلين : (إن ظاهر هذه الصفات هو مماثلة صفات المخلوقين ) ، قد يريده من يقول (يجب إثبات الصفات مع أن الظاهر غير مراد) فإن قصده بهذه الإطلاق فهو مصيب، وإن نقل ذلك عن السلف ـ بهذا المعنى ـ فهو مصيب أيضاً ، إلا أنه قد أخطأ من جهة إطلاقه ما يوهم الغلط عليهم فليتجنب[134] .

كما يجب أيضا تجنب الاحتجاج بقوله تعالى {وما يعلم تأويله إلا الله} على أنه يجب امرار الصفات على ظاهرها وبطلان التأويل ، لأنه الآية ليست من هذا التأويل الاصطلاحي في شيء .

فمن احتج بها على بطلان التأويل الاصطلاحي ، مع قوله بوجوب إمرار الصفات على ظاهرها ، وقع في التناقض، لأنه يبطل التأويل والآية تثبته معلوما لله ، بل الواجب القول : إنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره، أي عدم صرفه عما يدل عليه ، وهو دلالته على الصفات لله تعالى المنزهة عن صفات المخلوقين ، مع أن حقيقة الصفات لا يعلمها إلا الله ، وحينئذ يكون الاحتجاج بالآية على جهل الحقيقة، أي حقيقة الصفات ، وأن الله تعالى وحده حقيقتها ، فيكون احتجاجا صحيحا .

ومثل هذا ، من يحتج بالآية على أننا خوطبنا بما لا يفهمه أحد ، مع قوله الظاهر غير مراد ، وهذا مع أنه خطأ ، فإن الإحتجاج بالآية ، في آيات الصفات ، يوقع في التناقض ، لأنا إذا لم نفهم شيئا من آيات الصفات ، كيف لنا نعرف ، أن لها تأويلا يخالف الظاهر ولا يوافقه ، فإن الظاهر ، وغير الظاهر ، لا يعلم إلا بمعرفة معنى اللفظ ، أو معانيه[135] .

وبهذه الجملة يتضح الفرق بين المذهبين إن شاء الله تعالى.

الأمر الثاني :

وهو أن التأويل المذموم عند السلف ، هو أن تصرف دلالة اللفظ الظاهر على الصفات ، إلى معنى آخر يلزم منه نفي هذه الصفة لمجرد دعوى المشابهة للمخلوقات ، ومخالفة العقل، هذا إذا كان اللفظ يدل على إثبات صفة لله كقوله تعالى {استوى على العرش} ، {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} ، {لما خلقت بيديّ} .

وليس التأويل المذموم ، هو أن يفسر أحد النصين ، بظاهر الآخر، بما يدل على خلاف ظاهر النص المفسَّر ، فإن هذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، وتفصيل الأدلة السمعية لبعضها ، وتفسير القرآن بالقرآن محمود، وأما المذموم تفسيره بالرأي المجرد عن البرهان من السنة أو القرآن .

ومن هذا القبيل قوله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [قّ: من الآية16] بأنه قريب بعلمه ، لأن أدلة القرآن على أن الله على عرشه ، وفوق كل شيء ، كثيرة جداً ، ومتنوعة ، وهي من أحكم أنواع الأدلة فيه ، هذا إن سلِّم أن الظاهر من هذا النص قربه بنفســـه ـ سبحانه ـ وسيأتي تفصيل هذا.

ولكن هذا النوع نادر جداً ـ وهو أن يراد بالنص خلاف ظاهره ـ لاسيما في باب الصفات ، وهو مع ذلك وجوده في الحديث أوضح ، أما القرآن فلا يكاد يوجد ، فإنه عند التحقيق يتبين أن أكثر ما أدعى فيه ، أن النص مصروف عن ظاهرة بنص آخر ، منتقض بأن الظاهر ليس هو المُدَّعي ، بل هو ما دل عليه سياق الآية نفسها ، ومعناه اللغوي الصحيح ، وبذلك لا يحتاج إلى التأويل، بمعنى تفسير النص بخلاف ظاهره ، لدلالة نص آخر على ذلك .

وربما ظن من لم يتحقق مذهب السلف في هذا الباب ، أن السلف يجرون اللفظ على المعنى الفاسد الذي ادعى ظهوره ، فأداه هذا إلى القول بوجوب التأويل، كما زعم من زعم ، أن من قول السلف ، أن الله أقرب بذاته إلى الإنسان من حبل وريده ، وإليه من الحاضرين عند وفاته ، لأنه جعل ظاهر قوله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [الواقعة:85]  ، هو أن الله أقرب إليه[136] .

ولئلا يظن مثل هذا ، فإنه ينبغي التنبيه على أسباب الخطأ في الاستدلال بالنصوص على الصفات ، وجعل ما لا يدل عليه اللفظ ، أو ما يدل عليه ظاهراً من المعاني الفاسدة هو الظاهر، ويستفاد من هذا أيضا ، معرفة أن ما يحتاج فيه إلى صرف المعنى الظاهر في هذا الباب في القرآن قليل ، مع وجوب القول بأن صرفه عن ظاهره لا يكون إلا بالأدلة السمعية[137].

* ذكر أسباب الخطأ في الاستدلال بالنصوص على صفات الله تعالى :

فمن هذه الأسباب:

السبب الأول :

أن يجعل ما يضاف إليه ـ سبحانه ـ من صفاته ، ولا يكون كذلك إذ لا يلزم من إضافة الشيء إلى الله أن يكون من صفاته .

ومن أمثلة هذا ما ذكره الرازي، قال: "المسألة الثانية : القائلون بإثبات الأعضاء لله تعالى استدلوا على إثبات الجنب بهذه الآية .

واعلم أن دلائلنا على نفي الأعضاء قد كثرت، فلا فائدة في الإعادة ، ونقول بتقدير أن يكون المراد من هذا الجنب عضوا مخصوصا لله تعالى فإنه يمتنع وقوع التفريط فيه فثبت أنه لابد من المصير إلى التأويل..) .

فقد ذكر هذا المفسر المشهور أن الجنب في قوله تعالى {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: من الآية56] ، ظاهره العضو[138] .

ومعنى الجنب في اللغة لا يستلزم هذا ، ولا سياق الآية يدل على أن هذا هو المعنى الظاهر، كما قال في الصحاح "الجنب الفناء وما قرب من محلة القوم"[139] ، وقال ابن فارس "الجيم والنون والباء أصلان متقاربان أحدهما الناحية والآخر البعد"[140] .

وقال الفراء: "الجنب القرب أي ما فرطت في قرب الله وجواره"[141] ، ولهذا قال بعض السلف (في أمر الله)[142] ، لأنه أمر بالتقرب إليه، والمحافظة على حدوده التي هي حماه وجواره ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (أل إن حمى الله محارمه)[143] .

وهي الطريق الموصل إليه كما قال الزجاج "في طريق الله الذي دعانـي إليه"[144] ، وهذه العبارات كلها دالة على معانٍ متقاربة، وإذا كان الجنب يطلق على الناحية في أصل اللغة ، فكيف يجعل إذا أضيف إلى الله في سياق نص ، كيف يجعل صفة من صفاته ، بله أن يقال إنه دل على العضو في الظاهر.

والله عز وجل قد حكى في هذه الآية ما يقوله الساخرون المستكبرون ، يوم لا ينفع الندم ، قال {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الزمر:56-59] .

وعامة هذه النفوس الموصوفة بما ذكر في الآيات ، لا تعلم أن لله جنبا بالمعنى الذي توهم من توهم أنه ظاهر اللفظ ، كما لا يتبادر إلى سامع هذه الآيات معنى سوى أنهم فرطوا في أوامر الله ، وقربه ، وطلب جواره ، وما يقارب هذا مما دلت عليه اللغة .

فكيف يجعل ـ مع هذا ـ ظاهر اللفظ عضواً يشابه أعضاء الإنسان، هذا مع أن الإمام الدارمي في رده على المريسي قال (وادعى المعارض زورا على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله {يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} أنهم يعنون به الجنب الذي هو العضو وليس ذلك على ما يتوهمونه .

فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك، فإن كنت صادقا في دعواك فأشر بها على أحد من بني آدم قاله)[145] .

وقال ابن القيم (ومن المعلوم أن هذه لا يثبته أحد من بني آدم)[146] .

فإن صح هذا ، أي أنه لم ينقل عن أحد إثبات الجنب بمعنى العضو على الله تعالى ، فإن ما ذكره الرازي قد يكون على طريقة لازم المذهب ، وذلك أن القائلين بإثبات الوجه واليدين ، يلزمهم عنده أنها أعضاء ، ويلزمهم كذلك إثبات كل ما جاء على هذا النحو (كالجنب) وأنه عضو، وهذا يقع فيه كثير ممن يحكي المذاهب فينسبون إليهم أقوالا يظنون أنها تلزمهم وهي ليست بلازمة عند التحقيق.

السبب الثاني :


أن يظن كل موضع ذكر فيه ما يشعر بالصفة ، أنه من نصوص الصفات، وأن المراد به الأخبار عن هذه الصفة .

قال ابن تيمية رحمه الله (ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قرب نفسه، بل يبقي هذا من الأمور الجائزة وينظر في النص الوارد، فإن دل على هذا حمل عليه ، وهذا كما تقدم في لفظ الإتيان والمجيء .

وان كان في موضع قد دل على أنه يأتي بنفسه ، ففي موضع آخر دل على انه بعذابه ، كما في قوله تعالى {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ} [النحل: من الآية26] ، وقوله تعالي {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: من الآية2] فتدبر هذا، فإنه كثيرا ما يغلط الناس في هذا الموضع ، إذا تنازع النفاة والمثبتين في صفة ودلالة نص عليها، يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ ـ حيث ورد ـ دالا على الصفة وظاهرا فيها)[147] .

وقولة جواز القرب عليه ، مثل له بدنوه – سبحانه – عشية عرفة ،كما روى مسلم عن النبي صلي الله عليه وسلم قال (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة وانه ليدنو ثم يباهي بهم ملائكته فيقول ما أراد هؤلاء)[148] ، وأما قوله ( ولا يلزم من ذلك أن يكون كل موضع ذكر فيه القرب هو قربه بنفسه "مثل له بقوله تعالي {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [قّ: من الآية16] ، وذلك أن المراد هنا قربه بملائكته ، كما تضيف العظماء أفعال عبيدها إليها بأوامرهم ، ومراسيمهم ، واستدل عليه بأن القرب في الآية بزمن ، وهو حين تلقي المتلقيين ، وقعيد عن الشمال ، وهما الملكان ، ومعلوم أنه لو أراد قرب ذاته لم يختص بهذه الحال.

كما استبدل عليه أيضا ، بأنه ذكر بصيغة الجمع مثل {نَتْلُو عَلَيْكَ} [القصص: من الآية3] ، {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة:18] ، {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يّـس: من الآية12] ، { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: من الآية29] .

فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله في كتابه ، دل على أن المراد أنه سبحانه يفعل بجنوده من الملائكة ، ومثل هذه الآية قوله تعالى {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف:80] ، وقوله تعالى {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [قّ: من الآية16] يحتمل أن المراد نحن نعلم وملائكتنا أيضا يعملون ، كما دل عليه الحديث ( إن العبد إذا هم بحسنه فلم يعملها كتبت حسنه)[149] ، فالملائكة يعلمون ما في نفسه بقدرة الله تعالي.

ومثل هذه الآية {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [الواقعة:85] ، فإن القرآن دل على أن المراد الملائكة ، لأن الآية تصف حال الاختصار ، وقد كثر في القرآن ذكر حضور الملائكة المحتضر، قال تعالي {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} [النساء: من الآية97] ، {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} [النساء: من الآية97] ، وقال {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ} [لأنفال: من الآية50] ، وقال {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام: من الآية93] ، { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: من الآية61] {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} [السجدة: من الآية11] .

وقد قال بعض الأئمة أن المراد قربه بعلمه وهو محتمل[150] ، ولكن يدفعه أن العلم محيط بكل شيء وفي باطنه، وكل ذلك بالنسبة إليه سواء ، كما قال {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد:10] ، فلا معني لتخصيص حبل الوريد وغيره[151] .

وهذه الخلاف بين السلف في معني الآية مع اتفاقهم على جواز القرب لو جاء نص يكون هذا هو الظاهر منه كما في الحديث السابق ، أما في هذه الآية فلا يقال إن الظاهر منها أنه سبحانه وتعالي أقرب بذاته من حبل الوريد فإن السياق بأبي ذلك والقرآن دل على نقيضه فإن الأدلة القاطعة منه دلت على علوه على كل شيء[152] .

وأما القائلون بأن هذا المعنى الفاسد ، أي قرب الله تعالى بذاته من حبل الوريد ، المقتضى للحلول أو الاتحاد ، هو الظاهر فقد انقسموا إلى قسمين:

منهم من قال بوجوب التأويل الاصطلاحي هنا ، وهو حمل اللفظ على الاحتمال المرجوح ، وأن المراد هو قربه بعلمه ، وهذا المعني صحيح ، ولكن لا يلزم أن يقال إن ظاهر القرآن هو هذا المعني ، ذلك أن القرآن في أعلي درجات البيان ، لاسيما في الخبر عن الله وصفاته ، وفي القول بأن ظاهر القرآن هو ذلك المعنى الفاسد تعارض مع هذه الحقيقة .

غير أن الذي اقتضي هذا القول تجريد اللفظ عن السياق ، فإن السياق هو الذي يدل على المراد ، والمتكلم الذي يريد أن يكون كلامه مبينا ، لابد له من ذكر القرائن ووضع الألفاظ في تركيب يدل على مراده ، والقرائن جعلت الظاهر في الآية ، إما العلم كما قال {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ} [قّ: من الآية16] ، أو الملائكة كما قال {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ} [قّ: من الآية17] .

ومنهم من التزم هذا المعني الفاسد الباطل وهم القائلون بالوحدة والحلول من المنتسبين إلى التصوف ، وفي بعض كتب التفسير من هذا ما يشينها[153] .


مع أن الآية لا تدل على قول أهل وحدة الوجود بوجه ، فإن قولهم الذي ينبو عنه سمع المؤمن ، يقتضي أن لا يكون لله تعالى ، تميّز بالذات فكيف يكون من هذه صفته ، أقرب إلى شيء من شي ، كما زعموا أنه ظاهر الآية ، فتناقضوا تناقضا قبيحا .

ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالي عن عيسي {.. إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ..} [النساء: من الآية171] الآية ، فان الله وان كان متصفا بالكلام ، فليس المراد هنا صفته ، وأن عيسي هو نفس الكلمة ، كلمة الله ( وانما سمي بذلك لأنه بذلك خلق بالكلمة ، على خلاف سنة المخلوقين ، فخرقت فيه العادة ، وقيل له كن فكان)[154] .

فسمي كلمة الله (لأنه ناشي عن الكلمة التي قال له بها كن فكان )[155] ، ولا يلزم من إطلاق كلمة الله على المخلوق هنا ، أن يكون كلامه جل وعز مخلوقا .

قال ابن تيمية: ( وأما قوله: إن كلمة يراد بها عيسي نفسه، فلا ريب أن المصدر يعبر به عن المفعول به في لغة العرب، كقولهم هذا درب ضرب الأمير، ومنه تسمية المأمور به أمرا، والمقدور قدرة، والمرحوم به رحمه، والمخلوق بالكلمة كلمة، لكن هذا اللفظ يستعمل مع ما يقترن به مما يبين المراد، كقوله { يا مريم أن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسي بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين} ، فبين أن الكلمة هو المسيح، ومعلوم أن المسيح نفسه ليس هو الكلام، { قالت أني يكون لي ولد ولم يمسسني بشر، قال كذلك الله يفعل ما يشاء إذ قضي آمرا فإنما يقول له كن فيكون} .

فبيّن لما تعجبت من الولد أنه سبحانه يخلق ما يشاء ، إذا قضي أمرا فإنما يقول له كن فيكون ، فدل هذا على أن الولد مما يخلقه الله بقوله { كن فيكون} ، ولهذا قال أحمد بن حنبل ( عيسي مخلوق بالكن، ليس هو نفس الكن)، ولهذا قال في الآية الأخرى { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقة من تراب ثم قال كن فيكون} ، فقد بين مراده، أنه خلقه بكن لا أنه نفس كن ونحوها من الكلام)[156] .

ومن أمثلة هذا أيضا قوله تعالي {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: من الآية14] ، لا يدل على أعين كثيرة، وقوله تعالي { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: من الآية39] لا يدل على عين واحدة، عند من يثبت صفة العين، بل كل موضع يفسر بحسبه ، بل كل موضع يفسر بحسبه، وذلك أن لفظ العين إذا أضيف إلى اسم جمع ظاهر ، أو مضمر ، فالأحسن جمعه مشاكلة للفظ كما قال {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ} [الأنبياء: من الآية61] .

وإذا أضيف إلى مفرد ذكر مفردا ، وهذا نظير المشاكلة في لفظ اليد، ففي الإضافة إلى المفرد قال {بيده الملك} ، وفي الإضافة إلى الجمع قال {أو لم يروا أنا خلقنا مما عملت أيدينا أنعاما} ، وقال {بما كسبت أيدي الناس} ، والسلف استدلوا على صفه اليد بن بقوله تعالي (بما خلقت بيدي) وعلى صفه العينين بقول النبي صلي الله عليه وسلم (إن ربكم ليس بأعور)[157] .

والأعور ضد البصير بالعينيين[158] ، ولو جاء لفظ يدل على الصفة في الظاهر لقالوا به فان عمدتهم في هذا الباب هو السمع.

السبب الثالث :


أن يأتي اللفظ في سياق يدل على المراد منه ، ويفسره ، ويجعله في غاية الظهور، فيؤخذ بعيدا عن سياقه ، ويُدَّعي فيه معني فاسد ، حتى يجعل محتاجا إلى الـتأويل، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية مثالا على هذا ، الحديث القدسي ، وهو قوله الله تعالي ( يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب، كيف أطعمك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لو جدت ذلك عندي ؟ … وذكر في الاستسقاء مثله)[159] .

ذكره مثالا لجعل المعني الفاسد هو الظاهر من اللفظ و لا يكون كذلك ، فإن الحديث قد فسر المراد بقول الله استطعمتك ، واستسقيتك فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل[160] .

السبب الرابع :

أن يجعل للفظ معني لا يدل عليه لغة عند التحقيق ، فإذا فسِّر به القرآن أوهم الباطل، فيقال حينئذ بوجوب التأويل .

ومثاله لفظ المعية، فقد جُعلت في الظاهر بمعني الاختلاط والامتزاج ، ثم لما كان هذا كفرا عند جميع المسلمين قيل بوجوب التأويل .

و أما عند التحقيق ، فليس ظاهرها إلا المقارنة المطلقة في اللغة ، من غير وجوب مماسة ، أو محاذاة عن يمين وشمال ، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعني .

فإنه يقال ما زلنا نسير والقمر معنا وهو في السماء وكذلك يقال (زوجته معه) بمعني لم يطلقها، وماله معه بمعني لم يفقده، وقال تعالى {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ} [الفتح: من الآية29] .

وليس في ذلك كله وجوب اختلاط ، وقد يدل على الاختلاط عند التقييد بما يناسبه، وإذا كانت المعية لا يلزم منها الامتزاج والحلول فلا يجعل هو الظاهر، بل الظاهر يعلم بحسب السياق المذكورة فيه .

وهو ما يلزم من معية الله ، فإن قوله {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد:4] ، دال على أن حكم هذا المعينة ومقتضاها أنه مطلع عليهم، شهيد عليهم، مهيمن، عالم بهم، وهذا معني قول كثير من السلف أنه معهم بعلمه، وهو ظاهر الخطاب وحقيقته .

وكذلك قوله تعالي {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: من الآية40] ، أي بنصره وتأييده ، فإن هذا هو اللازم من المعية هنا، وإذا كانت المعية لا يلزم منها المخالطة ، فإن فسرت بما دلت عليه باللزوم ، لا يكون هذا من باب التأويل .

وقال ابن القيم (فكيف تكون حقيقة المعية في حق الرب ذلك ـ يعني المخالطة ـ حتى يد عي أنه مجاز لا حقيقة ، فليس في ذلك ما يدل على أن ذاته تعالي فيهم ولا ملاصقة لهم، ولا مخالطة ، ولا مجاورة ، بوجه من الوجوه، وغاية ما تدل عليه (مع) المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور، وذا الاقتران في كل موضع بحسبة، يلزم منه لوازم بحسب متعلق )[161] .

الأمر الثالث :


وهو أن قائلا قد يقول: إن ما تقدم حكايته عن مذهب السلف ، فيما أسند إلى الله من الألفاظ الموهمة للتشبيه ، كالوجه واليد والمجيء والاستواء ، انه هو إمرارها على ظاهرها ، وعدم تأويلها ، وأن معني قولهم امرارها على ظاهرها ، ليس هو مماثلة المخلوقات ، أنه قول متناقض .
وبيانه أنا لانفهم من هذه النصوص إلا ما هو من صفات المخلوقين ، لانا لم نشهد غيرها ، فإن قيل هي على ظاهرها ، لزم التشبيه ، وإن قيل ليس ظاهرها مماثلة المخلوقين لزم أنا لا نعلم معناها بل نفوض ـ أن لم نقل بالتأويل ـ ولا يصح أن نقول تجري على ظاهرها، فحكاية هذه الجملة عنهم مع إبطال التفويض تناقض[162] .

وهذه الشبهة هي ـ وغيرها ـ أدت إلى أن قال أهل التأويل : إن نصوص الصفات أو بعضها ليست دالة على الصفات على الحقيقة ، وإنما تطلق على سبيل المجاز ، ولما وافقهم غيرهم على أن هذه النصوص ليس لها معني في الظاهر إلا مماثلة المخلوقين ، وكانوا مع ذلك ممن يحرم التأويل ، قالوا : لا ندري ما أريد بهذه النصوص ، ولا نتكلم فيها فجعلوها بمنزله الكلام الأعجمي الذي لا يفهم .

وذلك أن هذه الألفاظ التي أطلقت على الخالق في الكتاب والسنة وهي ذلك تطلق على المخلوق ، ولا يخلوا الأمر فيها: إما أن تكون حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر .

أو حقيقة فيهما، فهذه ثلاثة أقسام .

فقال قوم هي حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق ، وقال قوم حقيقة في المخلوق مجاز في الخالق ثم اختلفوا :

فقال الجهمية والمعتزلة كلها مجاز، وقالت الأشعرية وغيرهم بعضها، وهي الصفات الخبرية على خلاف بينهم أيضا في ذلك.

وقال السلف ومن اتبع طريقتهم من الفقهاء والمحدثين والمفسرين وغيرهم حقيقة فيهما ،ومقالات السلف تدل على أنها تطلق عليهما بطريق المتواطئة أو المشككة.

وهذه الجملة تدل على أن الإشكال المتقدم عظيم الموقع ، لذا يجب الاعتناء بالانفصال عنه .

فيقال: إن هذا التناقض المدعي لازم أيضا لمن يثبت الصفات العقلية ، وهي السمع والبصر والإرادة والحياة والعلم والقدرة والكلام ،وهم جمهور القائلين بالتأويل لأننا لم نشهد هذه الصفات إلا في المخلوقات .

ولازم أيضا لمن يثبت أي صفة لله تعالى ، بل ويلزم كذلك من يثبت وجود الله تعالى وإن لم يصفه بصفة ، فإنا لم نشهد موجوداً إلا جسما أو عرضا قائما به[163] .

لم نشهد موجودا إلا جسما أو عرضا قائما به ، ونحن مع ذلك لم نشهد وجود الله ، ولم نعرف ماهيته ، ولا نظيراً له سبحانه ، إذ ليس لها نظير، أفيقال : إنا إذا أثبتنا وجوده ، يلزمنا تشبيهه سبحانه بوجود ما سواه ، أم يقال : إذا قلنا وجوده ليس مشابها لوجود سواه ، يلزمنا التفويض في معني الوجود وأنا لا نعقل منه شيئا ؟!!


* وقفة مهمة جدا تحل إشكالات كثيرة في هذا الباب :

حل عقدة باب الصفات :

فإن قيل فما حل هذه العقدة ، بعد هذه الحجة الجدلية، فالجواب: أن الناس اختلفت طرائقهم في اقتحام هذه العقبة ، التي العقبة هذا الباب حقاً، إلا أن الخروج منها إلى الصراط المستقيم له باب واحد وسواه مفض إلى سحيقة أو تناقض .

فإن ناساً قد التزموا نفي كل شي لئلا يقعوا في التشبيه، قال أبو المعالي: (اعلموا أشدكم الله أن من أعظم أركان الدين نفي التشبيه، وقد أفتتن فيه فئتان، وابتلي به طائفتان فغلت طائفة ونقت جملة صفات الإثبات ، ظنا أن المصير إلى إثباتها مفض إلى التشبيه وإلى ذلك صار من أثبت الصانع من الفلاسفة ، وإليه ميل بعض الباطنية ، فزعموا أن القديم لا يوصف بالوجود ولكن يقال أنه ليس بمعدوم ، وكذلك لا يوصف بكونه حيا قادراً ، بل يقال ليس بميت ولا عاجز ولا جاهل ..)[164] .

وقال الشهرستاني رحمه الله عن الجهم بن صفوان : (وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم أشياء منها قوله : لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه ، لأن ذلك يقتضي تشبيها )[165] .

وذكر ابن تيمية رحمه الله أنه قرأ لأبي يعقوب السجستاني - أحد الباطنية - في كتاب الأقاليد الملكوتية أنه التزم أن الله يقال عنه (لا موجود ولا ليس بموجود ، ولا معدوم ولا ليس بمعدوم ) ، وذلك أنه ابتدأ أولاً بأن الله ليس بموجود فأورد على نفسه أن هذا تشبيه بالمعدومات ، فقال ( لا موجود ولا معدوم ) ثم أورد على نفسه أن هاتين قضيتان مختلفتان بالسلب والإيجاب ، ويلزم من صدق أحدهما كذب الأخرى فاضطر أن يقول جملته المتقدمة فرارا من التشبيه ، ومع ذلك فقد أورد عليه ابن تيمية التشبيه بالممتنعات لأن هذه الجملة صفة الممتنع[166] .

فهذه هي الهوة السحيقة.

ورام قوم الخروج بأن قالوا إن هذه الألفاظ مقولة على الخالق والمخلوق بطريق الاشتراك اللفظي .

قال ابن تيمية ( وقد رام طائفة من المتأخرين كالشهرستاني والآمدي والرازي - في بعض كتبه - ونحوهم ، أن يجيبوا هؤلاء - أي أمثال هذا الضال المذكور آنفا - عن هذا بأن لفظ (الموجود) و(الحي) و(العليم) ، و (القدير) ، نحوها من الأسماء تقال على الواجب والممكن بطريق الاشتراك اللفظي ، كما يقال لفظ المشتري على الكوكب والمبتاع ، وكما يقال سهيل على الكوكب والرجل المسمّى بسهيل ...

ثم قال : وهؤلاء متناقضون في هذا الجواب ، فإنهم وسائر العقلاء يقسمون الوجود إلى واجب ، وممكن ، وقديم ، ومحدث ، وأمثال ذلك ، مع علمهم بأن التقسيم لا يكون في الألفاظ المشتركة ، إن لم يكن المعنى مشتركاً ، سواء كان متماثلاً ، أو متفاضلأ ، ً ومنهم من يخص المتفاضل بتسميته مشككاً ...

ثم قال : فأما مثل سهيل ، فلا يقال سهيل ينقسم إلى الكوكب والرجل إلاّ أن يراد يطلق على هذا وهذا ، ومعلوم أن مثل هذا التقسيم ، لا يراد به الإخبار عن الإطلاق في اللغة ، وإنما يراد به تقسيم المعنى المدلول عليه باللفظ ...

ثم قال : ثم هم مع هذا التناقض موافقون في المعنى للملاحدة ، فإنهم إذا جعلوا أسماء الله تعالى كالحي ، والعليم ، والقدير ، والموجود ، ونحو ذلك مشتركة اشتراكاً لفظياً ، لم يفهم منها شيء إذا سمي بها الله ، إلا أن يعرف ما هو ذلك المعنى الذي يدل عليه إذا سمي الله)[167] .

ومعلوم أن المعنى الذي يدل عليه لفظ الموجود ، ونحوه المطلق على الباري جل وعز ، لا يمكن أن نفهمه إلاّ إذا كان بين هذا الإطلاق ، واطلاقه على الشاهد من المخلوقات قدراً مشتركاً ، يمكننا به فهم الخطاب ، وهذا الإطلاق هو المسمى بالأسماء المتواطئة ، أو المشككة .

ولهذا فإن الأكثر على أن اسم الوجود حقيقة في الواجب ، والممكن , وأنه مقول عليهما بطريق التواطؤ العام ، أو التشكيك ، إذا جعل المشكك نوعاً آخر[168] .

وقد ذكر ابن تيمية أن أحداً لم يجعل هذه الأسماء مقولة بالاشتراك اللفظي إلاّ شرذمة من المتأخرين وقد تقدم بطلانه[169] .

وإذا تبين هذا ، فالجواب عن الإشكال المتقدم بأن يقال : نحن نفهم من هذه الألفاظ ما دلت عليه من القدر الذي تتواطأ عليه ، ولا نعلم حقيقة ما يمتاز به الخالق ، غير أننا نعلم أن ما يختص الله به من هذه الأسماء التي فهمنا معناها عند الإطلاق ، أعظم مما يخطر في البال ، أو يدور في الخيال .

ومثال ذلك العلم ، فعند الإطلاق نفهم من هذه الكلمة معنى ، فإذا قيل (علم الله ) علمنا أن ما اختص الله به من هذا المعنى أعظم من أن نحيط به علماً ، أو نعرف كنهه ، وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلاّ الله ، ولولا هذا القدر المشترك من المعنى الذي يأخذه الذهن عند الإطلاق ، ثم يقيد به عند الاختصاص بالخالق ، ما يتميز به الخالق ، مما لا نستطيع حده بحد ، لما أمكن معرفة الله تعالى بوجه من الوجوه[170] .

ويتوجه على هذه الجملة سؤال وفي الجواب عنه مزيد تفصيل وتوضيح ، فيقال :

فإن قيل : وكيف يصحّ أن يقال : إن بين أسماء الله ، وصفاته ، وأسماء خلقه وصفاتهم ، قدراً مشتركاً ، ألا يوجب هذا التشبيه ؟

فالجواب : أن التشبيه كلمة ، قد صار فيها إجمال ، بحسب استعمال المتكلمين في هذا الباب ، فيجب أولاً معرفة المحذور من معناها شرعاً.

ذلك أن التشبيه جاء في السمع ، بلفظ التمثيل في قوله تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: من الآية11] وهو أدلّ على المقصود ، ومعنى الآية أن الله تعالى لا يماثله شيء فيما يختص به من صفات الكمال ، أما أن تدل على أن ما يتصف الله به من الصفات لا يمكن أن يتصف غيره بجنسها ، فليس فيها ولا دلّت عليه اللّغة ، فقد نفى الله التماثل بين صنفين من بني آدم قال تعالى : {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: من الآية38] فنفى الله التماثل للتفاوت في بعض الصفات مع اشتراكهم في أكثرها ، ومثل هذا قوله تعالى {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [فاطر:19] ، وقوله {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: من الآية22] ، وقوله {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: من الآية20] [171] .

وإذا كانت الأدلة الشرعية لا تدل على أن التشابه من بعض الوجوه ، يقتضي تماثلهما في جميع الأشياء ، فليس في الآية أن وجود قدر مشترك بين الأسماء التي تطلق على الله وخلقه ، يوجب التماثل المنفي بقوله {ليس كمثله شيء} .

ولهذا فقد اعترف أساطين الكلام ، أن ما قد يسمى التشبيه من بعض الوجوه بين الخالق والمخلوق ، لازم لجميع المسلمين ، ويعنون به ما يطلق من الأسماء والصفات على الخالق والمخلوق ولو كان مجرد صفة الوجود ، قال الرازي رحمه الله (وان عنيتم بالمشبه من يقول بكون الله شبيها بخلقه من بعض الوجوه ، فهذا لا يقتضي الكفر ، لأن المسلمين اتفقوا على أن الله موجود ، وشيء ، وعالم ، وقادر ، والحيوانات كذلك وذلك لا يوجب الكفر)[172] .

وقال أبو المعالي (وقال في بعض مقالاته - أي أبو الحسن - المشبه من يعترف بالتشبيه ، فأما من ينكره ويثبت مع التجسيم والغلو فيه للرب ، صفاتا لا يجوز ثبوتها إلاّ للمخلوقات فلا نسميه مشبهاً تحقيقاً ، إذ المشبه من يعتقد تشابه الرب ، والمحدث من كل وجه ، إذ حقيقة المثلين ، المتشابهين في جملة الصفات ..)[173] .

ولهذا أيضاً أنكر الأئمة الغلو في النفي ، خشية الوقوع في التعطيل ، وذكر ابن تيمية عن الإمام أحمد أنه قال لا يشبه الأشياء ، وليس كمثله شيء ، ونحو ذلك أما قوله ( بوجه من الوجوه ) فامتنع منها ، وذلك أنه عرف أن مضمون ذلك التعطيل المحض ، فإنه يقتضي أنه ليس بموجود ، ولا شيء ، ولا حي ، ولا عليم ، ولا قدير ، ويقتضي إبطال جميع أسمائه الحسنى[174] .

وبهذا يعلم أن إثبات قدر مشترك من معنى الأسماء المقولة على الخالق والمخلوقات ، ليس فيه التمثيل المحذور شرعاً ،غير أنه لا يخفي أن إطلاق هذه اللفظة وهي (أن الله يشبه خلقه من بعض الوجوه) خطأ ، والإمام أحمد إنما أنكر النفي لئلا يتوهم التعطيل ، فكذلك ينبغي أن تمنع هذه الجملة لئلا يتوهم التشبيه الممنوع شرعاً وعقلاً ، وهو (أن يماثل الله شيء من خلقه فيما يجب له من صفاته ، أو أن يثبت شيء من خصائص المخلوقين لله سبحانه وتعالى ) ، إذ هو تعالى ليس كمثله شيء لا في أسمائه ، ولا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، قال الإمام أحمد : ( من قال بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي فقد شبه الله بخلقه ، وهذا يحده وهذا كلام سوء)[175] .

فهذه المقالة تبيّن أن المحذور من التشبيه ، هو ما يستلزم من نعت الله تعالى بالنقص ، والحدوث ، ولا ريب أن وصفه بخصائص المخلوقين تمثيل له بما هو ناقص حادث ، أما مجرّد نعته بالصفات التي يصحّ إطلاقها على المخلوقات ، مع العلم بقدر مشترك من المعنى في الإطلاقين ، والقطع بأن ما اختص الله به لا يماثل ما يختص به المخلوق ، فليس في هذا نقص بوجه من الوجوه.

قال أبو المعالي رحمه الله رداً على الفلاسفة ومن تابعهم في نفي الصفات (ويقال لهم أتثبتون الصانع المدبر أم لا تثبتونه ؟ فإن أثبتوه لزمهم من الحكم بإثباته ما حاذروه فإن الحادث ثابت فاستويا في الثبوت ، ...ثم قال : وإن قالوا نعتقد الثبوت ولا ننطق به ، قلنا كلامنا في الحقائق لا في الإطلاقات ، فإن قالوا فصفوا الإله بالثبوت والوجود ولا تنطقوا به ، واعتقدوا وجود الحادث ولا تنطقوا به لتنتفي المماثلة لفظاً ، فإن المماثلة لفظاً مما يتوقى في العقائد ، قلنا يتوقى اللفظ لأدائه إلى الحدوث أو إلى النقص ، فكل ما لا يؤدي إلى الحدوث أو إلى النقص لا نكترث به ، ثم محاذرة التعطيل أولى من محاذرة التشبيه )[176] .

وهذا القدر المشترك الموجود في الأسماء المشككة ، الذي به أمكن فهم خطاب الله تعالى عن نفسه ، وأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله ، لا يستلزم وجود شيء في الخالق هو بعينه في المخلوق ، وإنما هو أمر مطلق كلي ، ولا يوجد إلاّ في الذهن ، ولا يختص بأحدهما دون الآخر ، فلا يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالباري ولا فيما يختص بالبرية ، وعند التخصيص يقال علم الله ، وحياة الله ، فهذا ذكر لما يتميز به الخالق فلا يماثله فيه المخلوق ، ولو كان القدر المشترك هو شيء موجود في الخارج يشترك فيه الباري وخلقه ، لكان هذا تشابها بينهما والشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه له ما وجب له وامتنع عليه ما امتنع عليه[177] .

فثبت بهذا أن إثبات القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب سبحانه ولا نفي ما يستحقه ، فليس ممتنعاً ومثال هذا في المخلوقات ، أن اسم الوجود يطلق بالتواطؤ على العرش ، والبعوض ، فيقال هذا موجود ، وهذا موجود ، لا تفاقهما في مسمى الوجود ، وهو يطلق عليهما بالتواطؤ قطعاً ، لأن قدراً مشتركاً من المعنى يوجد بينهما ، ولا ريب أن عاقلاً لا يقول إن وجود العرش كوجود البعوض ، لاتفاقهما في مسمى الوجود[178] .

ولا أن الاسم يطلق عليهما بالاشتراك اللفظي فقط ، ولكن قد يتوهم متوهم ، أن هذا القدر المشترك هو شيء موجود في الخارج يشتركان فيه ، وليس كذلك بل هو وجود ذهني محض ولا يوجد في الخارج إلاّ الأعيان التي لكل واحد منها ما يخصه لا يشاركه فيه شيء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمي صفاته بأسماء ، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره ، وسمي بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم ، مضافة إليهم ، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ، ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص اتفاقهما ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص ) ، وقال أيضاً ( سمي الله نفسه حيا فقال { الله لا إله إلاّ هو الحي القيوم } وسمي بعض عباده حياً ، فقال { يخرج الحي من الميت } وليس هذا الحي مثل هذا الحي ، لأن قوله الحي اسم لله مختص به وقوله {يخرج الحي من الميت } اسم للحي المخلوق مختص به ، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج ، ولكن العقل يفهم من المطلق قدراً مشتركاً بين المسمين وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق)[179] .

وقال أيضاً ( هكذا القول في جميع الصفات ، وكل ما تثبته من الأسماء والصفات فلابد أن يدل على قدر تتواطأ فيها المسميات ، ولولا ذلك لما فهم الخطاب ، ولكن نعلم أن ما اختص الله به وامتاز عن خلقه ، أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال)[180]

فإن قيل فإن التفاوت بين الخالق والمخلوق أعظم من أن يتصور ، بقدر ما بينهما من التفاوت في الذات ، فهلا مُثِّل لهذا بمثال في المخلوقات ، يقرب القول من التصور .

فالجواب نعم ، هذه الروح نفهم ذهابها ، وإيابها ، وصعودها ، ونزولها ، والعقول قاصرة عن تكييفها ، لأنّا لم نشهد لها نظيراً ، فلم يمنع عدم مشاهدة نظيره من فهم الخطاب ، ولم يمنع جهلنا بكيفية الروح ، أن نعلم صفاتها التي أخبر الله عنها في القرآن .

وكذلك ما في الجنة ، ماءها ، وثمارها ، وسائر ما فيها من النعيم ، ليس كما في الدنيا وما بينهما من التفاوت عظيم حتى قال ابن عباس (ما في الجنة في الدنيا إلاّ الأسماء)[181] .

ثم نحن نفهم الخبر عن الجنة ، ولولاه ما هتكت نحور المجاهدين ، ولا تشققت أقدام العابدين .

فالله عز وجل أعظم وأجل ، قال ابن تيمية (فإذا استعملت خاصة معينة - أي الأسماء المشككة التي تسميها النحاة أسماء الأجناس - دلت على ما يختص به المسمى ، لم تدل على ما يشركه فيه غيره في الخارج .

فإن ما يختص به المسمى لا شركة فيه بينه وبين غيره ، فإذا قيل علم زيد ، ونزول زيد ، واستواء زيد ، ونحو ذلك لم يدل هذا الأعلى ما يختص به زيد من علم ونزول ونحو ذلك ، لم يدل على ما يشركه فيه غيره .

لكن لما علمنا أن زيدا نظير عمرو ، علمنا أن علمه نظير علمه ، ونزوله نظير نزوله ، واستواءه نظير استوائه ، فهذا علمناه من جهة القياس ، والمعقول ، والاعتبار ، لا من جهة دلالة اللفظ ، فإذا كان هذا في صفات المخلوق ، فذلك في الخالق أولى .

فإذا قيل : علم الله ، وكلام الله ، ونزوله ، واستواؤه ، ووجوده ، وحياته ، ونحو ذلك لم يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى ، ولم يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك ، كما دل في زيد وعمرو ، لأنا هناك علمنا التماثل من جهة القياس والاعتبار ، لكون زيد مثل عمرو .

وهنا نعلم أن الله لا مثله ، ولا كفؤ ، ولاند ، فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره، ولا كلامه مثل كلام غيره ، ولا استواءه مثل استواء غيره ، ولا نزوله مثل نزول غيره ، ولا حياته مثل حياة غيره ، ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقين)[182] .

وبهذا يمكننا أن نقول فيما نطلقه على الله كصفة الوجه ، واليد ، والمجيء ، والاستواء ، أن القول فيها كالقول في صفة العلم ، والسمع ، والبصر وغيرها ، نعلم المعنى عند الإطلاق ، ونستطيع به فهم الخطاب ، ونجهل كيفية ما يختص الله به من هذه الصفات عند التخصيص .

وقد يقال إن صفة السمع ، والبصر، والعلم ، وأمثالها ، يمكن تصور ما تقدم فيها ، أما الوجه ، واليد ، والاستواء ، والنزول ، وأمثالها ، فإنا لا نعقل منها إلاّ ما هو جارحة ، وحركة ، وانتقال ، فكيف يقال نعلم المعنى ، ولا نعلم ما يختص بالله .

كما قال الايجي في المواقف ( الوجه وضع للجارحة ، ولم يوضع لصفة أخرى ، بل لا يجوز وضعه لما لا يعقله المخاطب ، فتعين المجاز ، ثم ذكر أنه الوجود)[183] .

ولا ريب أن قائل مثل هذا لم يحسن النظر فيما يقول ، فإن السمع لا نعقل منه في المخلوق إلاّ ما هو عرض متعلق بعضو ، والبصر انعكاس صورة المرئيات في عضو ، والإرادة ميل القلب إلى الشيء ، ومعلوم أنه لا يقال لا نعقل من هذه الصفات شيئاً بالنسبة إلى الله .

وأما ما ذكره الإيجي في المواقف فقد أجاب عنه أبو بكر ابن فورك قال (فأما ما ذهب إليه المعتزلة من تشبيه ذلك بوجه الثوب، ووجه الحائط ، فغلط من التمثيل ، من قبل أن وجه الثوب ، والحائط ، ليس هو نفس الثوب ، والحائط ، بل هو ما واجه به ، وأقبل به ، وكذلك وجه الأمر ما ظهر منه في الرأي الصحيح ، دون ما لم يظهر ، وإذا لم يجز في اللغة استعمال معنى الوجه على معنى الذات على الحقيقة في موضع ، وقد ورد إطلاق الكتاب والسنة بذلك ، لم يكن لما ذهبت إليه المعتزلة وجه ، ووجب أن يحمل الأمر فيه على ما قلنا أنه وجه صفأأة ، ولا يقال هو الذات ولا غيرها)[184] .

فهذا يبين أن الوجه في اللغة مستقبل كل شيء ، قال ابن القيم ( والوجه في اللغة مستقبل كل شيء ، لأنه أول ما يواجه منه ، ووجه الرأي والأمر ما يظهر أنه صوابه ، وهو في كل بحسب ما يضاف إليه ، فإن أضيف إلى زمن كان الوجه زمانا ، وإن أضيف إلى حيوان ن كان بحسبه ، وإن أضيف إلى ثوب أو حائط كان بحسبه ، وإذا أضيف إلى من {ليس كمثله شيء} كان وجهه تعالى كذلك .

وكذلك اليد تضاف إلى الملك ، والجن ، والحيوان ، والإنسان ، وهي في ذلك كله صفات متعلقة بالذات ، ثم إذا أضيفت وخصصت ناسبت ما أضيفت إليه ، فاختلفت اختلافاً عظيماً ، فإذا أضيفت إلى من ليس كمثله شيء كانت كذلك[185] .

ولا ينتقض هذا بأن اليد تطلق ويراد بها القدرة والنعمة - فتخرج عن كونها صفة متعلقة بالذات غير القدرة والنعمة - وذلك لثلاثة أوجه .

الأول : قال ابن القيم : ( إن نفس هذا التركيب المذكور في قوله {خلقت بيدي} يأبى حمل الكلام على القدرة ، لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه ثم عدى الفعل إلى اليد ، ثم ثناها ، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قولك كتبت بالقلم ، ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز بوجه)[186] .

الثاني : قال الباقلاني في التمهيد ( ويدل على فساد تأويلهم أيضاً - أي بالقدرة والنعمة - أنه لو كان الأمر على ما قالوه ، لم يغفل عن ذلك إبليس وعن أن يقول ( وأي فضل لآدم عليّ يقتضي أن أسجد له ، وأنا أيضاً بيدك خلقتني ، التي هي قدرتك ، وبنعمتك خلقتني ؟ وفي العلم بأن الله تعالى فضل آدم عليه بخلقه بيده دليل على فساد ما قالوه )[187] .

الوجه الثالث : قال ابن القيم ( إن يد القدرة والنعمة لا يعرف استعمالها البتة إلاّ في حق من له يد حقيقية ، فهذه موارد استعمالها ، من أولها إلى آخرها ، مطردة في ذلك ، فلا يعرف العربي خلاف ذلك ، فاليد المضافة إلى الحي ، إما أن تكون يداً حقيقية أو مستلزمة للحقيقية ، وأما أن تضاف إلى من ليس له يد حقيقية ، وهو حي متصف بصفات الأحياء ، فهذا لا يعرف البتة ، وسر هذا أن الأعمال ، والأخذ ، والعطاء ، والتصرف ، لما كان باليد ، وهي التي تباشره ، عبروا بها عن الغاية الحاصلة بها وهذا ، يستلزم ثبوت أصل اليد حتى يصحّ استعمالها في مجرد القوة والنعمة والإعطاء)[188] .

وهذان المثالان يوضحان أن الوجه واليد ، فيما أضيفا إليه من الأمور يدلان على قدر من المعنى متواطئاً ، مشتركاً فيها ، هو صفة من صفات المضاف إليه ، وعند التخصيص تختلف هذه الصفة ، اختلافاً بحسب اختلاف المضاف إليه ، والقدر الذي حصل به الاشتراك غير الذي حصل به الامتياز ، وبهذا علمنا أنها صفات لله تعالى، وجهلنا حقيقة ما امتاز الله به من هذه الصفات .

وعلى هذين المثالين تقاس سائر الصفات الفعلية والذاتية ، كالاستواء والنزول ، والعينين ، يعلم أنها صفات لله من حيث يعلم معناها في لغة التخاطب ، ونجهل حقيقة ما يمتاز الله به وهو التأويل الذي لا يعلمه إلاّ الله ، ويعلم كذلك من أحكام هذه الصفات ما جاء في السمع ، فكما علمنا أن من أحكام صفة السمع أن الله يسمع المسموعات ، ومن أحكام صفة البصر أن الله يبصر المبصرات ، وأن الله يعلم كل شيء بصفة العلم ، كذلك نعلم أن من أحكام صفة اليد أن الله يقبض بها السموات ، وأنه خلق آدم بها ففضله على سائر من خلقه بكلمة كن .

وهذا هو المخرج الصحيح من الأشكال المتقدم في أول التنبيه ، وهو الصراط المستقيم الذي سار عليه سلف الأمة ، والذي هو في غاية الاستقامة والتناسب ، والسر في عدم تناقض مذهب السلف ، عدم تفريقهم بين الصفات ، وجعلها فرعاً عن الذات ، واتباع السمع ومن اتبعته فلا يختلف قوله ، قال تعالى {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء: من الآية82] .

ويدل على صحة مذهبهم أدلة كثيرة جداً ، وفيما يلي من هذا المبحث أهم الأدلة من الكتاب والسنة والمعقول الصريح .

























المطلب الثالث

الأدلة على صحة مذهب السلف في الصفات ، وإبطال مذهبي المفوضة والمؤولة


كان ما تقدم من هذا المبحث في تحقيق أن مذهب السلف الذي لم يختلفوا فيه في الصفات ، هو أنها معلومة المعنى ، ولا تصرف عن ظاهرها ، بمعنى كونها صفات لله غير أن كيفياتها لا يعلمها إلاّ الله تعالى :

وفيما يلي ذكر الأدلة على صحة هذا المذهب ، ومن المفيد قبل الخوض في ذلك ذكر الأقسام الممكنة في الأقوال في هذا الباب ، ليكون محل النزاع أكثر وضوحاً ، ويتضح كيف تتوجه الأدلة بتأكيد مذهب السلف ونقض غيره وذلك :

أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام :

قسمان يقولان تجري على ظاهرها .

وقسمان يقولان على خلاف ظاهرها.

وقسمان يسكتان .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (أما الأولان فقسمان ، أحدهما من يجريها على ظاهرها ، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين ، فهؤلاء المشبهة ، ومذهبهم باطل .

والثاني من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله ، فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث أو عرض قائم به ، فالعلم والقدرة والمشيئة والرحمة والرضا والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض ، والوجه واليد والعين أجسام .

فإذا كان الله موصوفاً عند عامة أهل الإثبات ، بأن له علما ، ً وقدرة ، وكلاماً ، ومشيئة ، وإن لم يكن ذلك عرضا ، يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين ، جاز أن يكون وجه الله ، ويداه ، وعينه ، ليست أجساماً يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوق .

وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف ، ويدل عليه كلام جمهورهم وكلام الباقين لا يخالفه ، وهو أمر واضح فإن الصفات كالذات ، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقية ، من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين ، فصفاته ثابتة حقيقية من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين ... ثم قال : أما القسمان اللذان ينفيان ظاهرهما أعني الذين يقولون ليس لها في الباطن مدلول صفة الله تعالى قط ... ثم ذكر أقسام هؤلاء وأن منهم من ينفيها كلها ، ومنهم من يثبت سبعا ، أو ثمان ، أو خمسة عشر ، ثم ذكر القسمين الأخيرين وأن منهم من يقول يجوز أن يراد ظاهرها اللائق بالله ويجوز أن لا يكون المراد صفة لله.

ومنهم من يمسك عن ذلك كله ولا يزيدون عن تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين عن هذه التقديرات )[189] .

وهذا التقسيم يكشف جميع طرق المتنازعين في هذا الباب ، وإذا كانت طريقة التشبيه باطلة بالإجماع ، فلم يبق في ساحة التنازع غير طريقة التفويض بقسميها - وهما القسمان الساكتان - مع قسم الذين يقولون لا نعلم ما أريد بها إلاّ أن ظاهرها غير مراد ، لأنهم مؤيدون لأهل التفويض في أن نصوص الصفات لا يعلم معناها ، وطريقة التأويل الذين يعينون المراد ، وطريق السلف .

وفيما يلي ذكر أهم ما يستدل به على أن نصوص الصفات معلومة المعنى ، وأن تأويلها لا يجوز ، وهو مذهب السلف ، وبذلك يتبين بطلان طريقة التفويض وطريقة التأويل ، فلنبدأ أولاً بذكر أدلة بطلان طريقة التفويض:

الدليل الأول :

أن الله تعالى أمر بتدبر القرآن أجمع ولم يستثن منه شيئاً ، قال {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [صّ:29] ، وقال {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: من الآية82] ، وقال {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون:68] ، وفي هذه الآية حض الكفار والمنافقين على تدبر القرآن فدل على إمكانهم فكيف بالمؤمنين.

وقال تعالى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف:2] ، ولم يستثن منه شيئاً لا يعقل ولا ريب أن أعظم ما دل عليه القرآن ما أخبر الله به عن صفاته ، فكيف يذم من تدبر أعظم ما دلّ عليه وتعلم معانيه وأحكامه ، كيف والقرآن مليء بآيات الصفات ، ومنها التي أدعي أنها توهم التشبيه كالاستواء في سبع آيات ، والمجيء ، والإتيان ، والتجلي ، والعين ، والوجه ، واليد ، وذكر ما يدل على أنه فوق العرش ، في آيات كثيرة لا تحصي إلاّ بكلفة.

الدليل الثاني :

أن الله تعالى ذم من لا يفهم القرآن فقال {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً) (الاسراء: 45-46] ، وقال تعالى { فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} [النساء: من الآية78] ، فلو كان المؤمنون لا يفقهون أعظم ما دل عليه لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى به .

وقال تعالى {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [البقرة:171] ، وقال {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد:16] ، فقد ذم من لم يكن حظه من السماع إلاّ سماع الصوت دون فهم المعنى واتباعه ، فكيف يكون أراد من نصوص الصفات ما ذمه الله من السماع الخالي من الفهم والعقل[190] .

وقال أيضاً {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة:78] ، قال ابن جرير { لا يعلمون ما في الكتاب الذي أنزله الله ولا يدرون ما أودعه من حدوده وأحكامه وفرائضه كهيئة البهائم } ثم روى عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل هذا[191] .

الدليل الثالث :

أن الله أخبر عن القرآن أنه أنزله تبيانا لكل شيء قال تعالى {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: من الآية89] ، ومقتضى كونه تبيانا لكل شيء وجود البيان الشافي فيما يجب ويستحيل ويجوز بالنسبة لله فيه .

الدليل الرابع :

أن الله أخبر عن القرآن وغيره من الكتب الإلهية أنه حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه قال تعالى {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: من الآية213] ، والقول بأن آيات الصفات لا يعلم معناها إلاّ الله يلزم منه أن الخلاف الذي وقع بين أهل هذا الدين في أعظم مسائله ليس في القرآن الحكم فيه وهذا خلاف ما دل عليه القرآن من أنه حاكم بين الناس .

الدليل الخامس:

أن القرآن مليء بآيات الصفات كما تقدم والقول بأنها لا يعلم معناها ، ويجب فيها التفويض الكلي يلزم منه أن الله تكلم في كثير من القرآن بما لا فائدة فيه وهو محال إذ يلزم منه العبث وهو نقص.

الدليل السادس :

أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- تكلم في نصوص الصفات في أحاديث كثيرة وفي الصحيحين من ذلك جملة وافرة ، فمما رواه البخاري : قال عليه الصلاة والسلام (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على العرش - إن رحمتي تسبق غضبي)[192] .

وقال (إن الله لا يخفي عليكم أن الله ليس بأعور وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى)[193] .

وقال ( يجمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا يريحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فيقولون يا آدم أما ترى الناس ، خلقك الله بيده ...الحديث)[194] .

وقال (يد الله ملآى لا يغيضها نفقة .. وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفعه)[195] .

وعن عبد الله بن مسعود ( أن يهودياً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه تعجباً وتصديقاً له)[196] .

وقال (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته)[197] .

وقال (إنكم سترون ربكم عيانا)[198] .

وقال ( إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل إن الله قد أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ... الحديث)[199] .

وقال (يتنزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفر ني فاغفر له)[200] .

وقال (يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض)[201] .

وهذه النصوص غيض من فيض ، فإنها لكثرتها قد صنفت فيها مصنفات خاصة ، يكثر فيها ذكر أحاديث الصفات ، كالكتب المسماة بكتب السنة ، ككتاب السنة لابن أبي عاصم ، وللمروزي ، ولعبد الله ابن أحمد، وللالكائي ، والصفات للدارقطني ، والتوحيد لابن خزيمة ، وغيرها وفيها من النصوص، ما لا يحصى إلاّ بكلفة ، فهل يقال إنها كلها لا يفهم معناها ، والواجب السكوت عنها ، وإن هذا هو مذهب السلف؟ وإذا قيل إن فائدة ذكرها في القرآن التعبد بتلاوتها فحسب - مع أن هذا باطل - فما فائدة ذكرها في الأحاديث ، وهل يلزم من ذلك إلاّ نسبة العبث إلى مقام النبوة الرفيع.

الدليل السابع :
أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- تكلم ببعض الأحاديث فجاءت كالتفسير للقرآن كما قال تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) النحل (44) ، فمن هذه الأحاديث قول النبيّ -صلى الله عليه وسلم- (يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض}[202]

فهذا كالتفسير لقول الله تعالى {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} ، ومنها ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (قال قلت يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ، قال هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كان صحواً قلنا لا ، قال فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلاّ كما تضارون في رؤيتهما ...وفي الحديث إن الله يأتي يوم القيامة لمن كان يعبده من بر أو فاجر فيقول ( أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فلا يكلمه إلاّ الأنبياء فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونها ؟ فيقولون الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحداً ... الحديث )[203] .

وأول هذا الحديث كالتفسير لقول تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22-23] ، وقوله يكشف عن ساق فما بعده كالتفسير لقول الله تعالى {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} ، وذكر أن الله يأتي لعباده كالتفسير لقول الله {وجاء ربك والملك صفا صفا} .

ومنها ما رواه البخاري أيضاً قال النبيّ صلى الله عليه وسلم ( الله أرحم بعباده من هذه بولدها ) هو كالتفسير لقول الله تعالى {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: من الآية156] ، ومعلوم هذه الصيغة (أرحم) قاطعة في إرادة الحقيقة فكيف يصنع من يقول الرحمة هي إرادة الثواب[204] .

فإذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتكلم بما هو كالتفسير للقران ، ويأتي بألفاظ أخرى تدل على نفس معاني القرآن في هذا الباب ، فكيف يقال لا يعمل معاني القرآن ، ، وهل يفسر القرآن بما لا يعلم معناه .

الدين الثامن :


إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيجيبهم بما فيه الخبر عن بعض الصفات ، ومعلوم أن الجواب المشتمل على ما لا يفهم معناه ، عيّ منزه عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فمن ذلك ما رواه مسلم عن مسروق قال : سألنا عبد الله (هو ابن مسعود) عن هذه الآية {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون } ، قال : أما إنا سألنا عن ذلك فقال (أرواحهم في جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال : تشتهون شيئاً ؟ قالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات ، فما رأوا أنهم لن يتركوا من يسألوا ، قالوا : يارب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى ، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا)[205] .

فهذه الألفاظ المذكورة في الجواب من ذكر اطلاع الله إلى الشهداء ، وخطابه لهم مباشرة ، وفعل ذلك ثلاث مرات ن وهم مع ذلك في جواره مما يفسر قوله تعالى (أحياء عند ربهم يرزقون) ، إما أنها معلومة المعنى فيكون السائل قد استفاد من الجواب، وإما أن يقال لا يعلم معنى هذا ، ولا نتكلم في ذلك فينسب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العبث والعيّ.

الدليل التاسع :

أن القول بأن آيات الصفات أو بعضها لا يعلم معناها يلزم منه أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ، لم يكن يفهم معان هذه الآيات كقوله تعالى {استوى على العرش} ، {وجاء ربك} ، {تجلى ربك} ، {ويبقى وجه ربك} ، {خلقت بيدي} ، وغيرها ولا يفهم معاني ما كان يتكلم به من أمثال ما تقدم في الدليل السادس ، ومعلوم أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ، ربما تكلم بالأحاديث الطويلة ، وأدخل فيها بعض الألفاظ التي تدل على الصفات ، مثل حديث الشفاعة الذي ذكر فيه الإتيان والتكليم وغيرها ، فهذا القول يلزم منه أنه كان إذا أتى على هذه الألفاظ سرده دون أن يعلم معناها ، إذ لو كان يعلم دلالتها على شيء ، لوجب عليه بيانه للناس وعدم كتمانه وقد علم أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يقل يوما هذه الألفاظ لا تعتقدوا ظاهرها ، فإن لها معنى لا يعلمه إلاّ الله[206] .

الدليل العاشر:

وهو أن هذا القول ، أعني القول بتفويض معاني نصوص الصفات ، قد يفتح باب الإلحاد ، فيقول الملحدون إن نبيّ هذا الدين لا يعرف معاني ما أنزل عليه ، وأصحابه الذين علمهم كذلك مثله ، فينبغى طلب هذه الأمور المهمة من جهة غيره ، فإن قيل لهم هذا مما لا يمكن لاحد منعوا ، وقالوا : إن ما في القرآن : إن ذلك الخطاب لا يعلم معناه إلاّ الله ، لكن من أين لكم أن الأمور الإلهية لا تعلم بالأدلة العقلية التي يقصر عنها البيان بمجرد الخطاب والخبر[207] .

الدليل الحادي عشر:

إنا نعلم أن الصحابة كانوا يعلمون معاني آيات الصفات لأن العادة المطردة توجب اعتناء السلف بالكتاب المنزل عليهم لفظاً ومعنى ، فإن من قرأ كتاباً في الطب والحساب وغير ذلك فلابد أن تكون نفسه راغبة في فهمه وتصور معانيه ، فكيف بالذين قرءوا كتاب الله الذي به هداهم وعرفهم الحق من الباطل ، فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات بل رغبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تعريفهم معاني القرآن أعظم من تعريفهم حروفه[208].


خلاصة ما تقدم:

أن هذه الحجج الدامغة ، دافعة لا محالة ، هذه المقالة ، إلى الحضيض ، فلم يبق إلاّ أن يقال هذه النصوص المخبرة عن الله سواء قيل كلها أو بعضها ، معناها معلوم للراسخين في العلم ، ثم لا يخلو الأمر إما أن يقال ذلك المعنى هو ظاهرها وأنها صفات لله تعالى لائقة به ، وإما أن يقال بل معناها غير ذلك ولا تدل على صفات الله وهي طريقة التأويل.



* الأدلة على بطلان طريقة التأويل :

ويدل على بطلانها أدلة :

الدليل الأول :

أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان والإرشاد (وهو حقيقة التأويل) ، وقد وصف الله آياته بأنها بينات ، مبينات وقال {ولا يأتونك بمثل إلاّ جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) ، فكيف يقال إن أعظم ما دل عليه القرآن مصروف عن ظاهره[209] .

الدليل الثاني :

أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- تلا آيات التنزيل على العام والخاص وتكلم بألفاظ كثيرة في هذا الباب للعلماء والأعراب ، ولو كان ظاهره غير مراد لوجب أن يقترن بهذا كله ما يبين أن ما أتلوه عليكم وأذكره لكم من النزول وإتيان الرب يوم القيامة ، والأصابع ، وأن الله ليس بأعور ، وأن يد الله ملآى وبيده الأخرى الميزان وإن الله كتب في كتاب عنده فوق العرش ، وأني لا زلت اختلف بين ربي وموسى ليلة المعراج في شأن الصلاة .

أن ذلك كله ليس على ظاهره ، وإياكم أن تعتقدوه على ظاهره فلما علم أنه -صلى الله عليه وسلم- لم ينطق قط بمثل هذا لاح أنه أراد أن يعتقد ظاهره مع التنزيه[210] .

يزيده وضوحاً: أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- كان يذكر أحاديث الصفات في المجامع ، وعلى المنبر ، ولم يذكر مع ذلك ما يدل على أنه يريد خلاف الظاهر من أن هذه صفات الله وأفعاله ، فمن ذلك ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر قال : رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر وهو يقول يأخذ الجبار عز وجل سماواته وأرضه بيديه فيقول أنا الله ، أنا الملك ، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه ، حتى أني أقول أساقط هو برسول الله -صلى الله عليه وسلم- [211] .

ومن ذلك ما رواه مسلم أيضاً من حديث جابر في ذكر حجة الوداع ، وفيه أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله ، وأنتم تسألون عني ، فما أنتم قائلون ، قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بإصبعه السبابة ، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم أشهــد ، اللهم اشهد )[212] ، وذكره اللهم فاشهد مع إشارته إلى السماء في هذا المجمع العظيم ، في خطبة يوم عرفة ، الذي يحضره عوام المسلمين وعلماؤهم ، مع عدم اقتران ذلك بما يصرف هذا الظاهر ، قاطع في إرادة الظاهر .

الدليل الثالث:

أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- سأل بعض المؤمنين عن بعض ما يتعلق بهذا الباب فلما أجيب بالإثبات سكت عن المجيب بل جعل ذلك دليلاً على صحة الإيمان ومعلوم أن هذا قاطع في عدم إرادة خلاف الظاهر ، ومن ذلك ما رواه مسلم عن عطاء بن الحكم السلمي ، وفي الحديث أنه ضرب جارية له قال : فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعظم ذلك علىّ ، قلت يا رسول الله أفلا أعتقها ، قال : إئتني بها ، فأتيته بها فقال: أين الله؟ قالت في السماء ، قال من أنا قالت أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة[213] .

قال الذهبي بعد هذا الحديث (هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وغير واحد من الأئمة في مصنفاتهم يمرونه كما جاء ولا يتعرضون له بتأويل ولا تحريف ، وهكذا كل من يسأل أين الله ؟ يبادر بفطرته ويقول في السماء ففي الخبر مسألتان : إحداهما شرعية قول المسلم أين الله ؟ وثانيهما قول المسؤول : في السماء ، فمن أنكر هاتين المسألتين فكأنما ينكر على المصطفى[214] .

الدليل الرابع :


وهو إجماع السلف على عدم تأويل هذه النصوص بلا استثناء شيء منها ، وقد تقدم ذكر ما يدل على أن هذا إجماع متيقن ، والإجماع حجة قاطعة فيجب المصير إليه ، وقد اعترف أكابر أهل التأويل أن السلف لم يؤولوا هذه الصفات لكنهم أرادوا بهذه المقالة أنهم ـ أي السلف ـ لم يعينوا المراد مع اعتقادهم أن هذه النصوص لا تدل على الصفات - أي النصوص التي توهم التشبيه - وقد تقدم بطلانه ، أي بطلان زعم أهل التأويل هذا .

غير أنه يستفاد من قول أهل التأويل هذا ، أن أحداً من السلف لم ينطق بلفظ يدل على تأويل نصوص الصفات باتفاق الفريقين ، وممن ذكر هذا عن السلف أمام الحرمين أبو المعالي في النظامية ومنه قوله (فلو كان تأويل هذه الآي ، والظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعاً بأنه الوجه المتبع[215] ، وقال ابن حجر بعد أن ذكر قول أبي المعالي هذا ( وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث وهم فقهاء الأمصار كالثوري والليث ومن عاصرهم وكذا من أخذ عنهم الأئمة ، فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة)[216] .

الدليل الخامس :


وهو أن التأويل قد صار إليه أهله ، لما قالوا إن ظاهر كثير من نصوص الصفات هو التشبيه والتجسيم فلابد من إرادة غير الظاهر ، وهذا يلزم منه أمور باطلة تدل على أن هذا القول باطل وهي :

(1) أن يكون ظاهر القرآن والسنة كفراً وضلال في مواضع كثيرة ، وهذا ينافي بالهدى والرحمة وشفاء الصدور في كثير من الآيات[217] .

(2) أن يكون الحق والصواب في هذا الباب العظيم لم يبين بياناً واضحاً في القرآن، بل أريد من العباد أن يفهموا خلاف ظاهر كثير من نصوصه من قوله (ليس كمثله شيء ) كما زعموا ، وهذا شبيه بالألغاز ينافي وصف القرآن بأنه تبيان لكل شيء .

(3) أن يكون خطاب الله ورسوله في هذا الباب قد تنوع تنوعاً كثيراً بما ظاهره خلاف الحق وهذا واضح في مسألة العلو ، فقد جاء تارة بأنه {استوى على العرش} ، وتارة بأنه {القاهر فوق عباده} وتارة بأنه {العلي الأعلى} ، وتارة (بأنه الملائكة تعرج إليه) ، وتارة (بأن الكتاب ينزل من عنده) ، وتارة (بأنه في السماء) ، وتارة (بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء ) ، وتارة (بأن النبيّ عرج إليه وكلمه) ، وتارة ( بأن المؤمنين يرونه فوقهم يوم القيامة) ، وغير ذلك ، ثم أريد من العباد ألا يعتقدوا أن الله فوق العالم بل يعتقدوا أنه ليس في شيء من الجهات ، ولا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا يشار إليه بالإشارة الحسية ، ولا يأتي لفظ واحد يدل نصّاً ولا ظاهراً على هذه العقيدة بل يترك لكافة المؤمنين أن يعتقدوا ذلك من محض عقولهم وقدرتهم على استنباط ذلك من قوله (ليس كمثله شيء )[218] .

وكذلك يلزم أن يكون خطاب الله ورسوله استعمل فيه أسلوب التأكيد والإعادة والتكرير على أمر ما ، ومع ذلك فهو فيما استعمل فيه هذه الأساليب ليس على ظاهره مثل قوله {وكلم الله موسى تكليما} فإنه ليس على ظاهره عند أهل التأويل أما المعتزلة فكلامه مخلوق وأما غيرهم فكلام الله النفسي لا يسمع منه وإنما ألقي في روع موسى المعنى فليس الخطاب على ظاهره أيضاً .

ومثل ذكر الاستواء مرات عديدة على العرش مادحا نفسه به في سبع مواضع من القرآن ، فيلزم إذا قيل بعدم إرادة الظاهر أن يكون الخطاب أكد وأعيد وكرر على ظاهر غير مقصود وهذا يلزم منه نسبة التلبيس إلى الكتاب والسنة وهذا من أعظم الباطل .

الدليل السادس :

وهو أن عقيدة الإسلام سهلة ، يمكن لأدنى الناس علماً أن يفهمها والقول بتأويل هذه النصوص يعكس الأمر ، فإنه لا عسر على الأمة من أن يراد منهم ، أن يفهموا كونه سبحانه لا داخل العالم ، ولا خارجه ، ولا متصلا به ، ولا منفصلاً عنه ، ولا مباينا ، ولا محايثا له ، ولا يرى بالأبصار عيانا ، ولا له يد ، ولا وجه ، مع كثرة النصوص التي ظاهرها خلاف هذا ، يفهموا ذلك كله من قوله {قل هو الله أحد} ، {ليس كمثله شيء} [219] .

الدليل السابع :

أن القول بالتأويل وأن نصوص الصفات على خلاف ظاهرها يفتح باب الزندقة والإلحاد ، وذلك أن الزنادقة سيحتجون بجواز تأويل نصوص الصفات على جواز تأويل نصوص المعاد وأنها على خلاف ظاهرها[220] فيقولون المقصود بنصوص الحشر التمثيل لما يحصل للروح من نعيم من دون الجسد ، إن كانوا ممن ينكر حشر الأجساد .

أو يقولون باطن هذه النصوص لا يدل على المعاد وإنما قصد بالظاهر تمثيل ما يحصل للروح من نعيم في أجساد أخرى ، إن كانوا ممن يقول بالتناسخ إلى غير ذلك من دهاليز الزندقة .

ولما ظهر مضمون هذين الدليلين لبعض من تجرد لما يسمى بعلم النظر ، وتبين له أن القول بتأويل ظواهر بعض النصوص المقتضية للتشبيه عنده ، يجعل الاعتقاد عسيرا على الأمة ن وقد يؤدي إلى فسادهم ، قال وهو السعد التفتازاني في شرح المقاصد : ( فإن قيل إذا كان الدين الحق نفي الجهة والحيز ، فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تحصى بثبوت ذلك من غير أن يقع في موضع واحد منها تصريح بنفي ذلك وتحقيق[221] كما كررت الدلالة على وجود الصانع ووحدته وعلمه وقدرته وحقيقة المعاد وحشر الأجساد في عدة مواضع ، وأكد غاية التأكيد مع أن هذا أيضاً حقيق بغاية التأكيد ، والتحقيق ، كما تقرر في فطرة العقلاء مع اختلاف الأديان والآراء من التوجه إلى العلو عند الدعاء ومد الأيدي إلى السماء ؟ أجيب : بأنه لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة ، حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في جهة ، كان الأنسب في خطابهم والأقرب إلى صلاحهم ، والأليق إلى دعوتهم الحق ، ما يكون ظاهرا في التشبيه ، وكون الصانع في أشرف الجهات مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمة الحدوث)[222] .

فلينظر العاقل بعد هذا ، ما الذي أدى إليه جعل ظواهر الشريعة تقتضي التشبيه ، ثم تسليط التأويل عليها من شبه القرمطة وعقائد الباطنية ، وانظر كيف صرح هذا الإمام في علم الكلام أن بعض ما يدل على التأويل لا يصلح لجمهور أمة الإسلام .

وقوله ( مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق ) هو معنى الألغاز وهو غير لائق بالقرآن الموصوف بأعلى درجات البيان كما تقدم في الدليل الخامس .

وكلما ازداد الرجل مما يسمى بعلم النظر، زاد توغلاً في هذا الخطر ، كما صنع ابن رشد الذي زعم (أن الشريعة قسمان ظاهر ومؤول وأن الظاهر فرض الجمهور والمؤول هو فرض العلماء ... ولا يحل أن يفصحوا بتأويله - أي الظاهر - للجمهور)[223] .

ثم زعم أن أكثر ظواهر الآيات ونصوص الصفات يجب إلقائها إلى الجمهور ، وإن اقتضت التجسيم على زعمه خوفاً عليهــم من التعطيل[224] ، ولأنهم يعسر عليهم فهم دليل نفي الجسمية[225] ، ولئلا يسلك الشك إلى قلوبهم في أمر المعاد[226] ، ثم لما ذكر بعض النصوص التي ادعي أنها تقتضي الجسمية (كاطلاع الباري إلى أهل المحشر ) وأنه هو الذي يتولى حسابهم وحديث النزول والرؤية قال (فيجب إلاّ يصرح للجمهور بما يؤول إلى إبطال هذه الظواهر فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو إذا حملت على ظاهرها ، وأما إذا أوّلت فإنما يؤول الأمر فيها إلى أحد أمرين : إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه في الشريعة فتتمزق الشريعة كلها ... وإما أن يقال في هذه كلها إنها من المتشابهات ، وهذا كله إبطال للشريعة محولها من النفوس من غير أن يشعر الفاعل لذلك بعظيم ما جناه علـى الشريعة)[227] .

فهذا تصريح من هذين الإمامين فيما يسمى بصناعة البرهان ، أن التأويل ، يجعل بعض عقيدة الإسلام عسيرا على الأمة ، وقد يؤدي إلى هتك الدين كله ، واستدلا بذلك على أن الواجب إظهار خلاف الحق لهم وعدم إلقاء التأويل إليهم ، والحق أن الأولى أن يستدل به على بطلان التأويل ، إذ كيف يكون الحق الذي جاء به الرسول فيما يجب لله ويستحيل لا يناسب فطرة العباد ، فهذا ما جناه التأويل على الدين .

الدليل الثامن :

أن القول بتأويل نصوص الصفات لا يخلو الأمر فيه :

إما أن يقال بتأويلها كلها أو بعضها ، ولاريب أن القول بتأويلها كلها وأن الله أراد بذكر صفة العلم والسمع والبصر ، والحياة وكل ما وصف به نفسه خلاف الظاهر ، من أبطل الباطل وأعظم الإفتراء على الشريعة .

فلم يبق إلاّ أن يقال بتأويل بعضها وهو تحكم محض إذ العلة التي أوجبت تأويل الكل لا زالت في البعض وهو اقتضاء التجسيم ، ولا يستطيع صاحب التفريق أن يأتي بحجة مستقيمة عليه ، فإن قال لأن هذه التي أوجبت فيها التأويل توجب التشبيه ، والتجسيم قال منازعن الذي يؤول الكل وكذلك السمع والبصر والكلام يوجب التجسيم وإذا بطل القسمان ، بطل القول بتأويل الصفات[228] .

الدليل التاسع:

وهو أن تأويل الصفات في أكثر النصوص ، لا يخرجها إلاّ إلى معنى يحتاج إلى تأويل آخر بالنظر الدليل الذي أوجب التأويل الأول ، فمن ذلك تأويل الرحمة بالإرادة ، لأن ظاهر الرحمة رقة في القلب ، فإن الإرادة كذلك ينبغي أن تحتاج إلى تأويل لأنها ميل القلب إلى الشي وكلاهما يقتضي التشبيه ، ومن ذلك تأويل اليد بالقدرة ، كلاهما يوصف به الخالق والمخلوق ، فإذا قيل الإرادة والقدرة يوصف بها الخالق على ما يناسب ذاته والمخلوق كذلك بما يناسب نقصه ، مع تشابه الإطلاقين فيهما فلماذا لا يقال كذلك بالرحمة واليد وغيرهما يوصف الله بهما ولا يوجب ذلك تشبيهاً فإذا كان التأويل لا يصنع شيئاً إلاّ تحريف النص كان هذا دليلاً على بطلانه[229] .

الدليل العاشر :

أن التأويل لو كان حقاً وأن ظاهر النصوص غير مراد ، بل هي من باب المجاز للزم من ذلك جوار نفيها عند الإطلاق فيقال ليس بحي ، ولا قدير ، ولا عليم ، ولا سميع ، وكذلك يقال لا يحب ، ولا يرحم ، ولا يرضى ن ولم يستو ، ومعلوم أنه لا يجوز إطلاق النفي على ما أثبته الله ، وإذا كان الملزوم باطل فاللازم باطل[230] .

خلاصة ما تقدم:


والخلاصة أن هذه الأدلة العشرة واضحة في بيان بطلان تأويل نصوص الصفات ، وهي مع ما تقدم من أدلة بطلان التفويض فيها لا تدع ريبا في صحة طريقة في نصوص الصفات .

وقد استدل أهل التأويل بأدلة وهي أقرب إلى الشبهات منها إلى الحجج ، ولذا لم تذكر على سبيل المقارنة مع أدلة الطريقة السلفية ، وقد جعلوها عمدتهم في ادعاء أن نصوص الصفات من المتشابه الذي يجب صرفه عن ظاهره بالتأويل وإنه ينبغي ذكرها والجواب عنها ليتبين بذلك العلاقة الصحيحة التي بين نصوص الصفات والمتشابه ، وهو موضوع المبحث الثالث.







انتهى الجزء الأول



































قائمة المحتويات



- المقدمة ................................................................... ص 2

- الفصل الأول : أقوال الطوائف الإسلامية في صفات الله تعالى والقول الصحيح منها والأدلة على صحة وبطلان ما سواه .......................................... ص 3

    - المطلب الأول : أقوال الطوائف في صفات الله تعالى ................... ص 4

       - القول الأول ......................................................... ص 4

       - القول الثاني ........................................................ ص 4

       - القول الثالث ........................................................ ص 7

    - المطلب الثاني : تحقيق القول الصحيح في هذا الباب وبيان أسباب الخطأ في نسبة مذهب السلف الصحيح إليهم .......................................... ص 11

      - أضراب أقوال السلف في الصفات .................................. ص 11

       - الضرب الأول ..................................................... ص 12

       - الضرب الثاني .................................................... ص 14

       - الضرب الثالث .................................................... ص 15

       - الخلاصة .......................................................... ص17

     - الرد على من زعم أن السلف كانوا لا يعبرون عن معاني نصوص الصفات بغير تلاوتها المجردة لأنهم لم يكونوا يفهمون منها شيئا ................... ص 18

     - أسباب الخطأ في نقل مذهب السلف ................................. ص 22

     - تنبيهات مهمة جدا .................................................. ص 28

       - التنبيه الأول ...................................................... ص 28

       - التنبيه الثاني ..................................................... ص 30

         - ذكر أسباب الخطأ في الاستدلال بالنصوص على صفات الله تعالى ص 31

       - التنبيه الثالث ..................................................... ص 37

    - وقفة مهمة تحل إشكالات كثيرة ...................................... ص 39

  - المطلب الثالث : الأدلة على صحة مذهب السلف في الصفات وإبطال مذهبي المفوضة والمؤولة ......................................................... ص 48

    - الأدلة على صحة مذهب السلف ...................................... ص 49

    - الأدلة على بطلان طريقة التأويل ..................................... ص 54

[1] وينظر في تقسيم صفات الله تعالى على هذا القول : شرح الواسطية للشيخ خليل هراس ص 89 ، والقواعد المثلي للعثيمين ص 21ـ25 ، وشرح الطحاوية لابن أبي العز ص 127 .

[2]   متن السنوسية 2.

[3]  المصدر السابق ، وقال الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان أن المعنوية على التحقيق هي كيفية اتصاف الله تعالى بصفات المعاني ، كما ذكر أن الصفات السلبية لاتدل على معان وجودية بالمطابقة أضواء البيان ( 2/277ـ 278) .

[4] المواقف للايجي ص 281ـ 296 .

[5] المصدر السابق ص 296 .

[6] التمهيد له ص 295 .

[7] مشكل الحديث وبيانه ص 174ـ 183 .

[8] مختصر العلو ص 258 .

[9] ذكر الشهرستاني أن أبا الحسن الاشعري لما ترك الاعتزال انحاز إلى جماعة منهم ابن كلاب ، وأيد مقالتهم بمناهج كلامية ، وصار ذلك مذهبا لاهل السنة والجماعة ، ذكره في الملل والنحل ص 93 ، وهذا المذهب الكلابي هو الطور الثاني لأبى الحسن ، وغالب المنتسبين إليه من المتقدمين كالباقلاني ، وابن فورك ، على قوله في هذا الطور ، وأما المتأخر ون كأبي المعالي ومن بعده فزادوا على التأويل الذي قاله به في هذا الطور للصفات الاختيارية كما سيأتي ، زادوا تأويل الصفات الذاتية إلا السبع ، وزادوا أيضا إنكار العلو ، ولأبى الحسن طور ثالث وهو إثبات كل الصفات وعدم التأويل مطلقا ، وهو الذي صار إليه بأخرة ، كما يدل على ذلك كتاب ( الإبانة والمقالات) ص 297.

[10] المقالات للاشعري ص 196ـ 299 .

[11] أنظر المجموع لابن تيميه ( 6/52) ، (16/407) ، (12/203) ، وانظر نقض التأسيس ( 2/15) ، ( 2/34ـ 35) ، وانظر الدرء ( 3/380ـ 381) ومن المتأخرين الذين يثبتون الصفات الخبرية القرآنية البيهقي ( البيقهي وموقفه من الإلهيات للغامدي ص 268 .

[12] المجموع لابن تيميه 6/52 و 16/407و 12/203 وانظر كذلك نقض التأسيس ( 2/15و 2/34ـ 35) .

[13] انظر المواقف للايجي ص269 مع أن قوله واحد فيها وهو الإثبات (6) ، المجموع ( 12/203) .

[14] البيضاوي 3/12 .

[15] ينظر في مذهبهم في الأفعال الاختيارية التي يطلقون عليها حلول الحوادث ، قواعد العقائد للغزالي ص 185، الإرشاد للجويني ص 45 ، وص 62، والتبصير في الدين للاسفرائيني ص 143، وقال ابن تيميه : ( وذهب آخرون من أهل الكلام الجهمية ، وأكثر المعتزلة والاشعرية إلى أن الخلق هو المخلوق وليس لله عند هؤلاء صنع ولا فعل ولا خلق ولا إبداع إلا المخلوقات بأنفسها ) المجموع 5/529، وقال بل الآيات التي تدل على الصفات الاختيارية التي يسمونها حلول الحوادث كثيرة جدا ، المجموع 6/222، وذكر أنهم أولوا كثيرا من النصوص بسبب هذا القول ، المجموع 1/217/ 287.

[16] ابن تيمية المجموع 6/52.

[17] نظم الفرائد وجمع الفوائد في مسائل الخلاف بين الماتوريدية والاشعرية في العقائد لشيخ زادة 23.

[18] المصدر السابق 28 .

[19] المصدر السابق ص 18 .

[20] الفرق بين الفرق ص 114 .

[21] المصدر السابق 127، والملل والنحل 1/49.

[22] مقالات الإسلاميين 166.

[23] الملل والنحل 1/80 .

[24] المصدر السابق 1/86.

[25] التمهيد للباقلاني ص 236، ومختصر لوامع الأنوار البهية لمحمد بن سلوم 157، ومجموع ابن تيمية 3/70 .

[26] متشابه القرآن للهمداني 1/32 .

[27] المصدر السابق 1/35 .

[28] المصدر السابق 1/9.

[29] المصدر السابق 1/132، 1/375 .

[30] تفسير الرازي 1/169 .

[31] المصدر السابق 7/148.

[32] من القائلين بالأول الجويني في أحد قوليه كما في النظامية ص 33 ، والرازي كما في التفسير 7/176، وبالثاني أبو بكر بن فورك كما هو واضح في كتابه مشكل الحديث وتأويله .

[33] البرهان للزركشي 2/78ـ79 .

[34] مجموع الفتاوى 5/ 26 .

[35] سير أعلام النبلاء 11/376 .

[36] المصدر السابق 10/506 .

[37] رواه البيهقي في الأسماء والصفات ص 515 ، وقال ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية إسناده صحيــح 43 .

[38] مختصر العلو للألباني ص 176 .

[39] مقالات الاشعري 290ـ295 .

[40] مختصر العلو للذهبي 248 ، وقال في ص 249كان الإسماعيلي شيخ الإسلام رأسا في الحديث والفقه ، وقال أبو إسحاق في طبقات الشافعية ( جمع أبو بكر بين الفقه والحديث ورئاسة الدين والدنيا.

[41] المصدر السابق 257 .

[42] المصدر السابق ص 268 .

[43] المصدر السابق 272 .

[44] رسالة عقيدة السلف وأصحاب الحديث للحافظ الصابوني ضمن مجموعة الرسائل المنيرية 1/105.

[45] ذم التأويل ص 17 .

[46] جامع الترمذي : 3/24ـ 25 .

[47] مختصر العلو للذهبي ص 187 ، ثم قال الذهبي عن قتيبة : عمر دهرا ، وازدحم الحفاظ على بابه ، قال لرجل : أقم عندنا هذه الشتوة ، حتى أخرج لك عن خمسة أناس مائة ألف حديث ، وهذا يدل على سعة علم هؤلاء بالآثار لان هذا العدد يشمل أقوال الصحابة والتابعين وهو باعتبار طرق الأخبار ، فكل طريق يسمونه حديثا وكذلك يعدون المكرر ، قال الذهبي ( قال أبو عبد الله بن أحمد : قال لي أبو زرعة أبوك يحفظ ألف ألف حديث ، فقيل له ما يدريك ؟ قال ذاكرته فأخذت عليه الأبواب ، فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبى عبد الله ، وكانوا يعدون في ذلك المكرر والأثر وفتوى التابعي ، وما فسر ونحو ذلك ) سير أعلام النبلاء 11/187 .

[48] مختصر العلو للذهبي ص 194 .

[49] المصدر السابق 268 .

[50] المصدر السابق 261 .

[51] المصدر السابق 264 .

[52] قال ابن حجر رحمه الله ( أخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب قال كنا عند مالك فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله { الرحمن على العرش استوى } ؟ كيف استوى ، فأطرق مالك فأخذته الرحضاء ، ثم رفع رأسه فقال : الرحمن على العرش استوى ، كما وصف نفسه ، ويقال كيف ، وكيف عنه مرفوع ، وما أراك إلا صاحب بدعة ، أخرجوه ) فتح الباري 13/407، وقال الذهبي هذا ثابت عن مالك ، مختصر العلو 141، وأنظر الرواية في الأسماء والصفات للبيهقي 515 .

[53] رواه الحاكم وقال على شرط الشيخين ووافقه الذهبي 2/282، ورواه أيضا ابن خزيمة في التوحيد 1/249 ، ورواه عبد الله بن الإمام احمد في كتاب السنة 1/301 ، وقال الذهبي في العلو رجاله ثقات أنظر مختصر العلو 102 .

[54] رواه البيهقي في الأسماء والصفات 530 ، وأبو الشيخ في العظمة 1/212، وقال ابن حجر موقوف وسنده جيد الفتح 13/383 .

[55] رواه الدارمي في الرد على المريسي 105، والبيهقي في الأسماء والصفات 507، وأبو الشيخ في العظمة ، 2/688، وابن خزيمة في التوحيد 1/243، وقال الذهبي إسناده صحيح ، أنظر مختصر العلو ص 103 ، وصححه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص 100 ، وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح ، مجمع الزوائد 1/86 .

[56] رواه الدارمي في الرد على الجهمية 46، واللالكائي في السنة 4/668، وقال الذهبي إسناده قوي ، أنظر مختصر العلو 104، وصححه ابن القيم في اجتماع الجيوش ص 100 .

[57] رواه الدارمي في الرد على المريسي ص 35 ، قال حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عبيد بن مهران وهو المكتب حدثنا مجاهد به ، وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات ، أنظر تراجمهم في التقريب وفق الترتيب 549، 367، 378، ومجاهد إمام مشهور .

[58] رواه الطبري 13/127، وعبد الله بن أحمد في السنة 1/294، وأبو الشيخ بن حيان في العظمة 1/495، كلهم من طريق أبي الجنيد عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير به ، وأبو الجنيد قال عنه يحيى بن معين لا بأس به ، وقال أبو حاتم لا بأس محله الصدق التهذيب ( 9/354) ، وجعفر بن أبي المغيرة قال الذهبي كان صدوقا ، الميزان ( 1/417) وقال في التهذيب ( نقل ابن حبان في الثقات عن أحمد توثيقه ) 2/108 فالإسناد حسن .

[59] رواه البيهقي في الأسماء والصفات ص 508 ، وأبو الشيخ في العظمة ( 2/690) وقال الذهبي هذا ثابت عن مجاهد إمام التفسير ، مختصر العلو ص 132 .

[60] أورده البخاري معلقا وجزم به ، أنظر فتح الباري 13/405، وقال ابن حجر في تغليق التعليق ( قال الفريابي في تفسيره حدثنا ورقاء بن أبي نجيح عن مجاهد فذكره ) 5/345 انتهى ، وهذا إسناد صحيح ورقاء قال عنه الذهبي صدوق أنظر رسالة ( المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد ) وقال عنه ابن حجر صدوق التقريب 580 .

[61] ذم التأويل ص 18 ، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة 3/431 .

[62] مختصر العلو للذهبي 136 .

[63] مختصر العلو 136 .

[64] السنة لعبد الله بن احمد 1/ 107 .

[65] ذم التأويل لابن قدامة 20 .

[66] مختصر العلو 167 .

[67] روه الدارقطني في الصفات 75، والآجري في الشريعة ص 314، والبيهقي في الأسماء والصفات 453، وابن قدامة في ذم التأويل 20 .

[68] رواه الاثرم في كتاب السنة نقلا عن درء تعارض النقل والعقل 2/23 .

[69] هو الإمام الغزالي في إلجام العوام  ص 70 .

[70] المصدر السابق ص 66 .

[71] ص 182.

[72]  56ـ57 .

[73] ص 115 .

[74] 122ـ 123 .

[75] 516 .

[76] 8/466 .

[77]  قال ابن أبي حاتم ( كتبت عنه وهو صدوق ) الجرح والتعديل 8/60 .

[78]  ثقة انظر التقريب 508 .

[79]  ص 94ـ 95 .

[80] انظر ص17 .

[81] وتقدم تخريجه انظر ص 19 هامش 2 .

[82]  ص15 .

[83]  ص 11

[84] ص516 .

[85] فتح الباري ( 13/407) .

[86] ص 515 .

[87] ص 516 .

[88]  ص 98 .

[89] من طريق سفيان بن عيينة بنفس لفظ الثوري 3/39 .

[90] العلو ص 65 .

[91] درء تعارض العقل والنقل 2/31 .

[92] المصدر السابق .

[93] المصدر السابق ( 2/39) .

[94] سير أعلام النبلاء 10/505 ، ورواه الدارقطني في الصفات 68 .

[95] مختصر العلو 191 .

[96] مجموع الفتاوى 5/42 .

[97] درء التعارض 2/31 .

[98] فتح الباري 13/4040 .

[99] حاشية ص 28 .

[100] ص 33ـ 34 .

[101] في كتابه التنكيل لما في تأنيب الكوثري من الأباطيل ، كما بين ذلك أيضا فضيلة الشيخ الدكتور علي بن ناصر الفقيهي في تعليقه على رسالة الذب عن أبي الحسن الاشعري لابن درباس ص 119 ـ 128 ، ومعه الدكتور احمد عطية الغامدي في مقدمتهما لكتاب الصواعق المرسلة لابن القيم 21ـ 28 .

[102] البحر المحيط 3/524 .

[103] 333 .

[104] التبصير في الدين للاسفرائيني 144 .

[105] التبصير في الدين 164 .

[106] حكاه ابن تيميه عن أبي المعالي المجموع 17/126 .

[107] مختصر العلو 190 .

[108] المصدر السابق 203 .

[109] المصدر السابق 142ـ 143 .

[110] أي الخطأ في فهم عباراتهم ، بسبب عدم ضمها إلى سائرها ، هو السبب في نسبة هذا القول إليهم ، من بعض الأئمة ، ومن أمثلة هذا قول الإمام الطبري ( لان له المشارق والمغارب وأنه لا يخلو منه مكان ) التفسير 2/528، ويعني بذلك لا يخلو من علمه ، ويدل على أن هذا مراده ، قوله في نفس الكتاب ( وعنى بقوله ( هو رابعهم ) بمعنى أنه مشاهدهم بعلمه ، وهو على عرشه ) 28/12 .

[111] رواه الطبري في التفسير 29/38 .

[112] الفقرة بين القوسين من كلام شيخ الإسلام المجموع 6/394 .

[113] تفسير الطبري 2/536 ، والأسماء والصفات للبيهقي ص 391، ونقل عن الشافعي أنه قال ( يعني والله اعلم فثم الوجه الذي وجهكم الله إليه .

[114] انظر مجموع فتاوى ابن تيمية 6/16، 2/428، 3/139 .

[115] المصدر السابق 13/25 .

[116] ثم قال ابن حجر : قال ابن المنير مفهوم الآية زلت فيه الأقدام ، حتى أنكر القاضي أبو بكر الباقلاني صحة الحديث ... ولفظ القاضي أبي بكر في التقريب ( هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها ) ، وقال إمام الحرمين في مختصره ، (هذا الحديث غير مخرج في الصحيح) وقال في البرهان ( لا يصححه أهل الحديث ) ، وقال الغزالي في المستصفى ( الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح ) وقال الداودي الشارح ( هذا الحديث غير محفوظ ) فتح الباري 8/338 .

[117] فتح الباري 8/337 .

[118] وهو ابن تيمية رحمه الله  مجموع الفتاوى 6/394 .

[119] المصدر السابق 5/109 .

[120] المصدر السابق 6/15 .

[121] زاد المسير 1/225 .

[122] أنظر مجموع الفتاوى 5/399، وحنبل موثق أنظر المنهج الأحمد في تراجم أصحاب أحمد للعليمي 1/345 .

[123] السير 13/52 .

[124] المنهج الأحمد 1/245 .

[125] مجموع الفتاوى 5/400، والحديث السابق ، رواه مسلم بنحوه 1/ 553، وقال ابن تيمية ( وأمد وغيره من أهل السنة ، فسروا الحديث بأن المراد ، يجيء ثواب البقرة وآل عمران كما ذكر مثل ذلك عن مجيء الأعمال في القبر ، وفي القيامة والمراد منه ثواب الأعمال .. ثم قال فلما أمر بقراءتهما ، وذكر مجيئهما يحاجان عن القارئ ، علم أنه أراد قراءة القارئ لهما ، وهو عمله ، وأخبر بمجيء عمله الذي هو التلاوة في الصورة التي ذكرها ، كما أخبر بمجيء غير ذلك من الأعمال 5/399 .

[126] درء تعارض العقل والنقل 2/30 .

[127] مجموع الفتاوى 5/401 .

[128] ينظر مجموع الفتاوى 6/356ـ 357 .

[129] المصدر السابق 6/347، وينظر كذلك أضواء البيان للشنقيطي 2/286 .

[130] المواقف في علم الكلام للعضد الإيجي ص 298 .

[131] أنظر مجموع الفتاوى 5/98 .

[132] تمهيد الأوائل ،وتلخيص الدلائل للباقلاني ص 295ـ 298 .

[133] ذكر أن الصفات فرع عن الذات ، مستفاد من كلام ابن تيمية المجموع 3/25، 3/ 47 .

[134] المصدر السابق 3/66ـ 68 .

[135] مجموع الفتاوى 3/66ـ 68 .

[136] تفسير المنار 2/168، حكاه عن بعضهم .

[137] مصداقا لقوله تعالى {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف:52] ، وأما القائلون بالتأويل فإن أكثر آيات الصفات التي هي أعظم ما دل عليه القرآن على خلاف الظاهر عندهم وسيأتي تفصيل ذلك كله .

[138] تفسير الرازي 27/6 .

[139] الصحاح للجوهري 1/101ـ102 .

[140] معجم مقاييس اللغة 1/483 .

[141] لسان العرب 1/275 .

[142] رواه الطبري عن مجاهد والسدي 24/9 .

[143] رواه البخاري كتاب الإيمان ، فضل من استبرأ لدينه ، فتح الباري 1/136 .

[144] لسان العرب 1/275 .

[145] ص 184 .

[146] كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة 1/247 .

[147] مجموع فتاوى ابن تيمية 6/14 .

[148] كتاب الحج ، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ح 436 .

[149] في الحديث ( قال الله تعالى .. فإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة ) رواه مسلم كتاب الإيمان ، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت ، وإذا هم بسيئة لم تكتب ح 203 .

[150] مثل الإمام أحمد ينظر مختصر العلو للذهبي 190، والإمام الدارمي ينظر رده على المريسي 83، وذكر ابن القيم القولين عن السلف والخلف ، مختصر الصواعق ص 492 .

[151] الكلام المتقدم في القرب ، وما يتعلق به، مختصر بتصرف من كلام ابن تيمية في مواضع من مجموع الفتاوى وهي 5/130، 5/107، 5/512ـ 513، 5/494ـ 509) وانظر كذلك مختصر الصواعق ص 493ـ 494 ، وتفسير ابن كثير 7/376 .

[152] وقوله تعالى {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام:61] جمع بين علوه على كل شيء ، وقرب جنوده من المحتضر ، فهي أقرب ما يفسر به قوله تعالى {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ* وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ* وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ* وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [الواقعة:83-85] .

[153] في حاشية الجمل على الجلالين علل القول بأن المراد بالقرب من العلم في قوله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [قّ: من الآية16] بأن الله منزه عن الأمكنة ، وذكر أنه من المجاز ، فهذا يدل على جعل المعنى الفاسد هو الظاهر (4/192) ، وأنظر أيضا تفسير المنار 2/168، وقال الألوسي : ( ولا مجال لحمله على القرب المكاني ، لتنزهه سبحانه عن ذلك ، وكلام أهل الوحدة مما يشق فهمه على غير ذي الأحوال ) التفسير 26/178 .

[154] ينظر ابن تيميه المجموع 6/18 .

[155] تفسير ابن كثير 2/431 .

[156] مجموع ابن تيمية 20/493 .

[157] الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن عمر مرفوعا ( وإن الله لايخفى عليكم ، إن الله ليس بأعور ، وأشار بيده إلى عينه ، وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى ، كأن عينيه عنبة طافية ) فتح الباري 13/389 .

[158]  ينظر رد الدارمي على المريسي 48 .

[159] رواه مسلم ح 2569 .

[160] ينظر مجموع ابن تيمية 3/44، وكذلك ينظر في أمثلة هذا النوع ، درء تعارض العقل والنقل 5/235ـ 240 .

[161] مختصر الصواعق المرسلة ص 429 ، وينظر أيضا مجموع ابن تيمية ( 5/103ـ 104) و (5/495ـ498) و ( 6/22) ، وبهذا البحث يتبين أن قول أبي المعالي رحمه الله في الإرشاد ( ومما يجب الاعتناء به معارضة الحشوية ، بآيات يوافقون على تأويلها ، حتى إذا سلكوا مسلك التأويل ، عورضوا بذلك السبيل ، فيما فيه التنازع ، فمما يعارضون به ، قوله تعالى { وهو معكم أينما كنتم } فإن راموا إجراء ذلك على الظاهر ، حلوا عقد إصرارهم في حمل الاستواء على العرش على الكون عليه ، والتزموا فضائح لا يبوء بها عاقل ، وأن حملوا قوله { وهو معكم أينما كنتم } وقوله { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا هو سادسهم } على الإحاطة بالخفيات ، فقد سوغوا التأويل ) ص 150، أنه قول متهافت ، فإنه لاتعارض بين استواءه على العرش وكونه مع خلقه .

[162] ممن أشار على دعوى تناقض من يقول ( إن هذه النصوص معلومة المعنى وهي على ظاهرها ) أبو المعالي في الإرشاد ص 60 ، وقال بعض المعاصرين : (فظاهر الاستواء ،هو الجلوس والقول به قول بالجسمية،فإن قال ابن تيمية إنه اشتراك في الاسم لا في الحقيقة فليس إلا أن يفسره بالظاهر السابق فيلزم الجسمية ، أو يفسره بغير المحسوس ، وذلك تأويل ) ص 70 ، ومع أنه ينازع في أن الاستواء هو الجلوس ، غير أن الذي يلزم به في الرد عليه ، أن يقال : البصر هو انعكاس صورة المرئيات في عضو ، فإن قال إن الله تعالى يوصف بالبصر ، فإن فسره بالظاهر يلزم الجسمية ، وإن قال هو إدارك المبصرات فهو قول المعتزلة نفات الصفات .

[163] قال ابن تيمية رحمه الله : فإنك إن قلت ـ أي أيها المعتزلي ـ إثبات الحياة ، والعلم ، والقدرة ، يقتضي تشبيها ، أو تجسيما ، لأنا لانجد في الشاهد متصفا بالصفات إلا ما هو جسم ، قيل لك : ولانجد في الشاهد ما هو مسمى ، حي ، عليم ، قدير ، إلا ما هو جسم ، فإن نفيت ما نفيت لكونك ، لم تجده في الشاهد ، إلا للجسم ، فانف الأسماء ، بل وكل شيء لانك لا تجده إلا للجسم ) المجموع 3/20 ، والجسم عند المتكلمين هو ما يقبل القسمة من الجواهر، والجوهر هو المتحيز ،وهو القابل  بالذات للإشارة الحسية ، فإذا قبل القسمة ، فهو الجسم ، وإن لم يقبلها ، لا فعلا ، ولا وهما ، ولا فرضا ، فهو الجوهر الفرد ، بناء على أن الأجسام تنقسم إلى ما يصير إلى الجزء الذي لايتجزء ، وعندهم الجوهر منحصر في هذين القسمين ، وأقل ما يتركب منه الجسم ، جوهران من الجواهر المنفردة ، ينظر شرح المواقف للجرجاني 2/343ـ 345، شرح العقائد النسفية للتفتازاني ص 49 وأما العرض عندهم فهو موجود قائم بمتحيز ، وأدخلوا تحت هذه القسمين ، كل ما يشاهد ، أو يحس كالهواء ، فهو جسم ، أما الضوء ، واللون ، فهما عرضان ، ينظر المواقف للايجي ، وهم مع ذلك ينفون أن يكون الله تعالى جسما ، أو عرضا ، ولا يعرف في الشاهد موجود غير هذين ، فيلزمهم أنه غير موجود ، نقول هذا من باب الإلزام ، وليس إثبات هذه الألفاظ أو نفيها ، إذ سيأتي الكلام على هذا لاحقا إن شاء الله تعالى .

[164] الشامل للجويني الكتاب الأول، الجزء الأول ، 1/169 ، وتعليق رشاد سالم على درء التعارض 5/187 .

[165] الملل والنحل 1/86 .

[166] الدرء 5/324 .

[167] المصدر السابق .

[168] قال الجرجاني : (المشكك هو الكلي الذي لم يتساو صدقه على أفراده بل كان حصوله في بعضها أولى أو أقدم من البعض الآخر ، كالوجود في الواجب أولى ، وأقدم وأشد مما في الممكن ) التعريفات 216 ، والكلي هو الذي لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه ، وقد أورد على قسم المشكك أن الاسم إذا كان يطلق على القدر المشترك ، من غير دخول الاختلاف بين المسميات في التسمية فهو المتواطئ ، وإن دخل فالاشتراك اللفظي ، فلا حقيقة للمشكك ، وأجاب القرافي : ( أن كلا من المتواطئ والمشكك ، موضوع للقدر المشترك ، ولكن الاختلاف إن كان بأمور من جنس المسمى فهو المصطلح على تسميته بالمشكك ، وإن كان بأمور خارجة عن مسماه كالذكورة ، والأنوثة ، والعلم ـ يعني في اسم الإنسان ـ فهو المصطلح على تسميته بالمتواطئ ) ينظر نهاية السول 2/45ـ 47 ، وقد ذكر ابن تيمية ، أن قدماء نظار الفلاسفة ، على أن المشكك متواطئ باعتبار القدر المشترك ، المجموع 9/147 ، فعلى هذا إن أريد بإطلاق هذه الأسماء على الخالق والمخلوق بطريق التواطيء أن الصدق على الأفراد متفاوت فحق ، بل هو أعظم تفاوت على الإطلاق ، وإن أريد التساوي فلا قطعا ، وأما المشكك فقاطع في المراد .

[169] المجموع 20/442، ومما ذكر صاحب شرح المقاصد ( والجمهور على أنه له ـ أي الوجود ـ مفهوما واحدا ، مشتركا بين الموجودات ، إلا أنه عند المتكلمين حقيقة واحدة ، تختلف بالقيود والإضافات ) 1/341، ثم ذكر أنه مع ذلك قد يطلق على الموجودات بالتشكيك لأنه في الواجب أولى وأقدم وأشد ، على ما فهم من كلامه ( 1/354ـ 355) .

[170] ينظر مجموع ابن تيمية 3/10 .

[171] ينظر الدرء 6/7 ، 7/113ـ 114 .

[172] نقلا عن تلبيس الجهمية 1/382 .

[173] الشامل للجويني 1/169 .

[174] الدرء 5/183 .

[175] 2/32 .

[176] نقلا عن الدرء 5/189 .

[177] المجموع 3/74ـ 75 .

[178] المصدر السابق 3/10 .

[179] المصدر السابق .

[180] .المصدر السابق ( 3/24) ، وانظر في هذا البحث ، والجواب على الإشكال المتقدم في أول التنبيه شرح الطحاوية ص 103ـ 107، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ( اتفاق المسمين في بعض الأسماء والصفات ، ليس هو التشبيه ، والتمثيل التي نفته الأدلة السمعيات ، والعقليات ، وإنما نفت اشتراكهما فيما يختص به الخالق ، مما يختص بوجوبه ، أو جوازه ، أو امتناعه ، فلا يجوز أن يشركه في مخلوق ، ولا يشركه مخلوق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى ) المجموع 3/23 .

[181] الأثر رواه الطبري في التفسير 1/392 ، وهناد بن السري في الزهد 1/49 ، وعزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى الضياء في المختارة ، وصححه محققه ، وعزاه إلى أبي نعيم والبيهقي رقم ( 5410) ، وزاد في الدر المنثور ممن رواه ، مسدد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في البعث ( 1/38) ، وانظر في المثلين ، الروح والجنة ، المجموع 3/28ـ 33، 5/346 ـ 350 .

[182] المصدر السابق 5/329 .

[183] المواقف في علم الكلام للايجي 298 .

[184] مشكل الحديث وبيانه 173 .

[185] ينظر مختصر الصواعق المرسلة 419 .

[186] المصدر السابق 404 .

[187] ينظر في مثال صفة اليد وأدلة إثباتها صفة لله تعالى مختصر الصواعق ص 298، وص 305، وص 408 .

[188] ينظر مختصر الصواعق 406 .

[189] ينظر المجموع 5/113ـ 117، 16/398ـ399 .

[190] ينظر مجموع ابن تيمية 5/158ـ 159 .

[191] تفسير ابن جرير 1/259ـ 260 .

[192] فتح الباري 13/384 .

[193] فتح الباري رقم الحديث 38913 .

[194] فتح الباري 13/392 .

[195] فتح الباري 13/393 .

[196] المصدر السابق .

[197] المصدر السابق 13/419 .

[198] المصدر السابق .

[199] المصدر السابق 13 / 461 .

[200] المصدر السابق 13/466 .

[201] المصدر السابق 13/367 .

[202] تقدم تخريجه قريبا .

[203] ينظر فتح الباري 13/421 .

[204] صيغة ( أفعل التفضيل ) تدل على أن من هي له ، فيه زيادة على غيره في المعنى الذي هي مشتقة منه ، ينظر شرح الوافية نظم الكافية لابن الحاجب ص 331، فقوله ( أرحم ) دال على أن الصفة تطلق على الخالق والمخلوق ، وهي في الخالق أعلى وأكمل ، وقد ورد في سبب الحديث أن امرأة التقطت ولدها من السبي ، فألصقته بثديها ، فقال أترون هذه تلقي ولدها في النار ، أو كما قال ، قالوا لا ، فذكر الحديث ، وينظر في هذا المعنى ، مختصر الصواعق لابن القيم ص 379 .

[205] رواه مسلم حديث رقم 1887 .

[206] ينظر في هذا الدليل المجموع 16/412ـ 413 .

[207] ينظر مجموع ابن تيمية 16/414 .

[208] المصدر السابق 5/157 .

[209] ينظر مختصر الصواعق ص 38 .

[210] ينظر المجموع 5/67، وأضواء البيان2/286 .

[211] رواه مسلم حديث رقم 2788وما بعده .

[212] رواه مسلم حديث رقم 147 .

[213] رواه مسلم حديث رقم 573 .

[214] ينظر الذهبي مختصر العلو ص 81 .

[215] النظامية ص 33 .

[216] فتح الباري 13/406ـ 407 ، وانظر ما نقل عن الأئمة المذكورين ، وقوله بشهادة صاحب الشريعة يقصد بذلك حديث ( خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم .. الحديث ) رواه البخاري ، ينظر فتح الباري 5/259 .

[217] ينظر أضواء البيان 2/285 .

[218] ينظر في هذا الدليل مختصر الصواعق المرسلة ص 41ـ 46 .

[219] ينظر في هذا الدليل مختصر الصواعق ص 46 .

[220] ينظر مجموع ابن تيمية 5/32ـ 33 .

[221] كذا بالأصل .

[222] نقلا عن التنكيل للمعلمي 2/357 .

[223] ينظر مناهج الأدلة في عقائد الملة ص 133 .

[224] المصدر السابق ص 171 .

[225] المصدر السابق 170 .

[226] المصدر السابق 172 .

[227] المصدر السابق 172ـ 173 .

[228] ينظر في هذا الدليل مختصر الصواعق ص 18ـ 19 ، وأضواء البيان للشنقيطي 2/275ـ 276) .

[229] ينظر في هذا الدليل مختصر الصواعق ص 22ـ 23، ومجموع فتاوى ابن تيمية 3/26 .

[230] ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية 5/197 .




أم البراهين لشبهات المعطّلين والمؤوّلين والمفوّضين لصفات الله رب العالمين - الجزء 1-2

أم البراهين لشبهات المعطّلين والمؤوّلين والمفوّضين لصفات الله رب العالمين - الجزء 2-2



 

No comments:

Post a Comment