Thursday, August 26, 2010

ابن تيمية وقدم العالم - د. لطف الله الخوجة

بسم الله الرحمن الرحيم
 نقد ابن تينية لاراء الفلاسفة والمتكلمين في بدء الخلق والبحث في صحة مانسبه الى السلف
د. لطف الله عبد العظيم خوجه
حمل البحث المحكم كاملا (من هنا pdf)
رابط آخر : (يوضع لاحقا إن شاء الله)
 بسم الله الرحمن الرحيم

- تمهيد:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول رب العالمين، وبعد:

نشأت قضية قدم العالم، في أذهان الفلاسفة، من محاولتهم تفسير علاقة الله - تعالى -بالعالم؛ فافترضوا أن العالم وجد مع الله - تعالى -، من غير تأخر، فحكموا بقدم العالم..!!.

ولما سئلوا عن الفرق حينئذ بين الله - تعالى -والعالم، أجابوا: أن الله - تعالى -قديم بالرتبة والذات، متساوٍ مع العالم في الزمان.

وقد بنوا كلامهم على أن العلة التامة تستلزم معلولها، فلا تتأخر عنه، فالله - تعالى -عندهم: علة تامة، موجبة، فلا بد من وجود معلولها معها، وإلا انتفى كونه كذلك، وذلك نقص في حقه، فعلاقة العالم بالله - تعالى -كعلاقة ضوء الشمس بالشمس، يوجد معها موازيا في الزمان.

فمحصل كلام الفلاسفة ما يلي:

1- العالم قديم قدم الإله - تعالى -، من غير فرق في الزمان، ولكن في الرتبة والذات.

2- العالم صدر عن الله - تعالى -، لم يخلقه، بل كصدور الضوء عن مصدره.

3- العالم مقارن للخالق - تعالى -.

ولما كان صريح هذا المذهب نفي صفة الخلق عن الله - تعالى -، تصدى المتكلمون له، وظنوا أنه لا يمكن إثبات الخالقية إلا بنفي قدم شيء مع الله - تعالى -بإطلاق، واعتبروا هذا لازما لهذا، فكان من مذهبهم:

- أن الله - تعالى -ابتدء خلق العالم من نقطة زمن معينة، ما قبلها لم يكن يخلق، ولا يفعل، ولا يتكلم.. إلخ، وأوجبوا منعه من ذلك، حتى يستقيم إثبات الخالقية.

جاء ابن تيمية بعد الفريقين، فنقدهما جميعا، كل من جهة غير جهة الأخرى:

- فرفض قول الفلاسفة في دعواهم: اقتران العالم بالله - تعالى -بالزمان، وصدوره عنه.

- ورفض قول المتكلمين في دعواهم: أنه - تعالى -كان معطلا من الفعل زمنا وجوبا، ثم صار فاعلا، فانقلب بعد العجز قادرا، من غير تجدد سبب أصلا.

واختار رأيا رجح أنه وسط بين الفريقين، وكان فحواه:

أن الله - تعالى -لم يكن معطلا من الخلق، أو الفعل، والكلام زمنا، بل يفعل ما يشاء، متى شاء، من غير تحديد بنقطة زمن معينة، هي البداية، وقرر أن هذا هو مقتضى القدرة الإلهية الكاملة، وأنه ما من زمن يقع فرضا لبداية الخلق، إلا وصح وقوعه قبله، إذ لا مرجح يحدد البداية في نقطة معينة، ومن ثم فلا مانع من بدء الخلق معه، لكن بشرط التراخي في الزمان، ويكون هذا الخلق متعلقا بالنوع لا بالأفراد، واستحسن هذا الرأي، وذهب لأجله إلى أن الحوادث لا أولها، فأجرى التسلسل في المفعولات الإلهية في الأزل (= الماضي)، كما أجراه في الأبد (= المستقبل)، ونسب هذا القول إلى السلف، وفسروا نصوصهم على هذا المعنى، وقرر أن المتكلمين خرجوا عن طريقة السلف ونصوص الوحي في تقريرهم، فضلا عن الفلاسفة، الذين كفرهم العلماء، كالغزالي، بسبب مقالتهم بقدم العالم.

ولما كان هذه مذهبه: أساء الظن به طائفة من الناس، بعضهم خصومه، وحكموا أنه على مذهب الفلاسفة، وكاد أن يلحقه التكفير لأجل ذلك.

لكن لمن أراد الإنصاف، فإن التأمل والفحص في رأيه ينتج حقيقة هي: أنه مذهبه متميز على الفلاسفة، في عدة أمور، توجز فيما يلي:

1- ابن تيمية يقرر بأن الله - تعالى -خالق العالم، بينما مذهب الفلاسفة أنه صادر عن الله - تعالى -.

2- يقرر بأن العالم وجد بعد الله - تعالى -في الزمان، بينما الفلاسفة يقولون: وجد معه.

3- يقول أن الله - تعالى -متقدم على العالم بالرتبة والزمان، أما هؤلاء فيقولون: متقدم بالرتبة.

وهذه الفروق جوهرية، وأصلية، ومنها نستنتج أنه ليس من العلم ولا الحقيقة في شيء: التشبيه بينهما. وأن يلحق به الحكم الذي لحق بالفلاسفة من تضليل وتكفير.

ولقد اعتاص على هؤلاء أن يفرقوا بين شيئين، القدرة على التفريق بينهما: فيصل في فهم مقالة ابن تيمية وإعذاره. هو الفرق بين النوع والأفراد، فأفراد الخلق حادث، أما القديم فهو النوع. فادعوا بطلان هذا الفرق.. !!، والواقع والمثال يؤيد الفرق، فلو نظرنا في الأعداد، لوجدنا فرقا بين أفراده ونوعه، فكل رقم له بداية ونهاية، فالواحد (=1) يبدء من بعد الصفر (= 0)، وينتهي قبل بداية الرقم اثنين (=2)، وهكذا في 2، 3، 4، 5.. إلخ، فأفراد الأعداد لها بداية ونهاية.

لكن لو نظرنا إلى العدد من جهة نوعه أو جنسه: فلا بداية ولا نهاية، فمهما افترضنا عددا، فقبله عدد، ومهما افترضنا عددا، فبعده عدد، وهكذا.

فهذا دليل واضح، وبرهان كلي، على صحة التفريق بين الفرد والنوع، فالفرد حادث، أما النوع فقديم، لا بداية له، ولا نهاية.

ثم إن هذا القديم، وهو النوع، ليس مقارنا مع ذلك، بل هو متراخٍ، فمفعولاته - سبحانه وتعالى - تقع بعد فعله، وفعله متأخر عن ذاته، فهو خالق، وقد خلق، ثم حدث المخلوق، ومثَله:

- الطلاق.. يقع بعد التطليق، والتطليق متأخر عن المطلق.

- والانكسار.. يقع بعد الكسر، وهو متأخر عن الكاسر..

- فترتيبه: القاطع، ثم القطع، ثم الانقطاع، فهي أمور متتالية، ليست مقترنة.

فلم يلزم إذن من القول بقدم النوع: قدم العالم. وثبت بذلك أن قول ابن تيمية ليس كقول الفلاسفة.

* * *

تلك هي صورة المسألة بإيجاز، وقد استند المتكلمون على حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - المشهور: (كان الله ولم يكن شيء قبله)، في تأييد رأيهم: أن للخلق ابتداء. حيث جاء الإخبار فيه:

- عن وجود: العرش، والماء، قبل خلق السموات والأرض.

- وأنهما أول هذا العالم المشهود.

- وأن الله - عز وجل - قبل كل شيء.

وقد اعترض ابن تيمية على هذا الاستدلال، ورأى فيه خروجاً عن معنى الحديث إلى معنى غير مراد، فكتب لأجله مؤلفا مستقلا عنوانه: "شرح حديث عمران"، نقد فيه المعنى الذي رجحه المتكلمون من ناحية: حديثية، وعقدية. ولأجله اضطر للدخول في مسألة: "تسلسل الحوادث"، وما يترتب عليها من البحث في قضية قدم العالم، فكان له فيها رأي خاص، كما تقدم آنفا، تشابه ظاهرا مع رأي الفلاسفة القائلين بقدم العالم، مما فتح الباب للطعن في عقيدته.. !!.

وفي هذا البحث نعرض لهذه المسألة، ونرى ما يمكن أن يكون مقارنا للحق، وقد تضمن ما يلي:

أولاُ: سرد طائفة من روايات الحديث، للاستفادة من الزيادات الواردة لتجلية المعنى.

ثانيا: الترجيح بين الألفاظ، لتحديد اللفظ الأصوب، لما فيه من حسم لمادة الخلاف.

ثالثا: التعرض للمسائل العقدية في الحديث، وهما مسألتان مهمتان، هما:

- المسألة الأولى: معنى قوله: (جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر، ما كان؟).

- المسألة الثانية: معنى قوله: (كان الله ولم يكن شيء قبله).

وقد تعرضت فيها لقول الفلاسفة والمتكلمين وابن تيمية، وبحثت في صحة ما نسبه ابن تيمية إلى السلف من رأي في هذه المسألة الكبيرة.. وأشكر الله - تعالى -أن وفق إلى ذلك.



 

No comments:

Post a Comment