Saturday, August 14, 2010

قضية المحكم والمتشابه وأثرها على القول بالتفويض - المقدمة وخطة البحث

بسم الله الرحمن الرحيم
 
قضية المحكم والمتشابه
وأثرها على القول بالتفويض

بحث من إعداد
د/ محمود بن عبد الرازق

الأستاذ المساعد
بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة
كلية الشريعة وأصول الدين جامعة الملك خالد

 
·   ملخص البحث ............

   تناول البحث قضية المحكم والمتشابه وأثرها على القول بالتفويض ، أو بتعبير آخر العلاقة بين المحكم والمتشابه الذي ورد في قوله تعالي : } هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ { (آل عمران:7) ، وأثر ذلك على القول بالتفويض ، والبحث مقسم بعد المقدمة إلي مبحثين وخاتمة ، تناول المبحث الأول موقف السلف والخلف من المحكم والمتشابه وقضية التفويض ، وقد اشتمل على ذكر المقصود بمصطلح السلف والخلف ، سواء بالنسبة للعامل الزمني أو العامل المنهجي ثم تعريف المحكم والمتشابه والتفويض لغة واصطلاحا ، وحصر الآراء التي فسرت معنى المحكم والمتشابه في القرآن الكريم ، ثم تناول المبحث طرح الرؤية السلفية في فهم المعنى والكيفية وعلاقته بالمحكم والمتشابه بأسلوب بسيط .

     أما المبحث الثاني فقد تناول العلاقة بين فهم المحكم والمتشابه وقضية التفويض ، وقد اشتمل على ذكر حقيقة مذهب الخلف في نصوص الصفات ، وأمثلة معاصرة على اعتقاد الخلف أن مذهب السلف هو التفويض ، ثم تناول الحديث عن أثر عقيدة التفويض في الدعوة إلى عدم الكلام في نصوص الصفات عند العوام ، وأيضا أسباب القول بالتفويض ولوازمه .

    وقد اشتملت الخاتمة على أبرز النتائج ، وكان من أهمها التنبه إلى خطورة القول بالتفويض ، وسلب كلام اللَّه عن معناه ، أو محاولة تقبيح إثبات الصفات في نفس السامع ، تحت مسمى التجسيم وإثبات الأعضاء والجوارح لله ، وأنه بالمقارنة بين موقف السلف والخلف من قضية المحكم والمتشابه وعلاقتها بمسألة التفويض ، يظهر أن الفهم الصحيح لمعنى المحكم والمتشابه سوف يؤثر إيجابا أو سلبا على ظهور الحق في قضية التفويض .
 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده اللَّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله S ، أما بعد ..

    فقد اشتبه على كثير من إخواننا - الذين نحسبهم على خير في كل ما يبذلونه لخدمة دينهم ورفعة إسلامهم - حقيقة مذهب السلف في قضية التفويض ، حيث ظنوا أن مذهب السلف في نصوص الصفات - أو ما يطلقون عليه الصفات الخبرية أو النصوص الموهمة للتشبيه والجسمية - هو تفويض معاني النصوص والكف عن طلب العلم بها ، ويجعلون دليلهم في ذلك ، ما ثبت عن الإمام مالك بن أنس رحمه اللَّه ، أن رجلا جاءه وقال له : يا أبا عبد اللَّه : } الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى { ([1]) ، كيف استوى ؟! فقال : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، فإني أخاف أن تكون ضالا وأمر به فأخرج ([2]).

 والحقيقة أننا إذا دققنا النظر في قول الإمام مالك رحمه اللَّه ، علمنا أنه فرق في جوابه بين أمرين أساسيين ، هما أصل الفهم الذي امتاز به السلف الصالح عن غيرهم في باب الصفات ، أولهما : معنى الاستواء على العرش ، أو معاني الألفاظ التي ورد بها الأدلة السمعية في باب الصفات وسائر الغيبيات بوجه عام ، وثانيهما : كيفية الاستواء على العرش أو الكيفية الغيبية التي تؤول إليها دلالة هذه الألفاظ ، فالمعنى الوارد في نصوص الكتاب والسنة يستوعبه الذهن من خلال فهمه للألفاظ العربية التي نزل بها الوحي ، أما الكيفية فهي المدلول الحقيقي الذي ينطبق عليه اللفظ ، فلفظ الاستواء في الآية السابقة ، لفظ ينطبق على صفة من صفات أفعال الله ، لها كيفية حقيقية غيبية تليق بجلاله ، ما رأيناها ، لقوله S من حديث عبد الله بن عمر t : ( تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَمُوتَ ) ([3]) .

 وكذلك الكيفية لا تخضع لأقيستنا التمثيلية والشمولية ، لأننا ما رأينا لها مثيلا نصفها أو نحكم عليها من خلاله ، وذلك ما نص عليه قوله تعالى : } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ { ([4]) ، فاللفظ احتوى على  مدلول حقيقي يثبت وصف الله عز وجل بالاستواء على العرش ، وقد أمرنا  أمر الله بالإيمان به والتصديق بوجوده.

ولما غضب الإمام مالك على السائل ، غضب لأنه جاء يسأل عن كيفية الاستواء الغيبية التي تخرج عن إدراك أجهزة الحواس البشرية ، ولا يمكن للإمام مالك رحمه الله أن يخترع له جوابا يصف فيه الكيفية التي عليها استواء اللَّه على العرش ، لعلمه أن ذلك قول على اللَّه بلا علم ، وقد قال الله عز وجل : } وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا { ([5]) ، وقال أيضا : } قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ { ([6]) .

أما لو جاء السائل مالكا يسأله عن معنى الاستواء في لغة العرب التي خاطبنا اللَّه بها ، أو سأله عن الآية : } الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى { ([7]) ، ما الذي تضيفه للمسلم في موضوع الإيمان باللَّه ؟ لما غضب عليه مالك ، إذ أن حق السائل على أهل العلم ، البيان والفهم ، وأن يدرك معاني نصوص القرآن والسنة ، وقد أمره اللَّه بذلك فقال : } فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ { ([8]) .

والجواب عند ذلك بيِّن واضح ، ومعنى الكلام معلوم مفهوم ، ولن يعجز الإمام مالك عن الإجابة ، إذ أن استواء اللَّه على عرشه ، له وجود حقيقي غيبي ، ويعنى في اللغة العلو والارتفاع ، تماما مثلما يسأل صاحب اللسان الأعجمي عن ترجمة هذه الآية ، فإن المترجم لن يترجم له ما لم يره من الكيفية التي عليها الاستواء ، ولا يمكنه ذلك بحال من الأحوال ، وإنما سيشرح له بلغته معنى العلو والارتفاع على العرش ، وأن اللَّه ليس كمثله شيء في استوائه ، ويبين له ضرورة الإيمان بوجود حقيقة الاستواء ، وأن له كيفية معينة تليق بجلال اللَّه ، يعلمها الله عز وجل ولا نعلمها نحن  إلى غير ذلك مما يبين مراد الله من الآية .

 فالآية أوجبت الإيمان باستواء حقيقي ، لا نعلم كيفيته ويجب أن نسلم لله به وعلى ذلك ، فإن معتقد الإمام مالك الذي يمثل مذهب السلف الصالح ، هو تفويض العلم بالكيفية الغيبية فقط ، أما المعنى فهو معلوم ظاهر من لغة العرب ومراد مفهوم من الآية ، وهذا واضح بيِّن في كلامه ، حيث قال : الاستواء غير مجهول أي معلوم المعنى ، والكيف غير معقول أي مجهول للعقل البشرى بسبب عجزه عن إدراكه .

ومن ثم لو قلنا كما قال الخلف من الأشعرية ، بأن مالكا فوض العلم بالمعنى لا الكيفية ، فإن ذلك يؤدى إلى لوازم عديدة ، أبرزها القول بأن كلام اللَّه بلا معنى ، وسبب ذلك هو الخطأ في  فهم اعتقاد مالك ، أو عدم التوفيق في فهم حقيقة المذهب السلفي ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه معقبا على قول مالك في الاستواء : ( وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول ، فليس في أهل السنة من ينكره ، وقد بين أن الاستواء معلوم ، كما أن سائر ما أخبر به معلوم ، ولكن الكيفية لا تعلم ولا يجوز السؤال عنها ، لا يقال : كيف استوى ؟ ولم يقل مالك رحمه الله الكيف معدوم ، وإنما قال الكيف مجهول ) ([9]) .

 وإلحاقا بهذا الموضوع يأتي هذا البحث الذي يتناول العلاقة بين فهم قضية المحكم والمتشابه وأثر ذلك على القول بالتفويض ، كيف تطرد القضيتان سلبا وإيجابا ؟ وقد قسمت البحث بعد المقدمة إلى مبحثين وخاتمة على النحو التالي :

المبحث الأول : موقف السلف والخلف من المحكم والمتشابه وقضية التفويض .

   وقد اشتمل على عدة مطالب :

المطلب الأول : المقصود بمصطلح السلف والخلف .

المطلب الثاني : تعريف المحكم والمتشابه والتفويض لغة واصطلاحا .

المطلب الثالث : رؤية سلفية في فهم المعنى والكيفية وعلاقته بالمحكم والمتشابه .

المبحث الثاني : العلاقة بين فهم المحكم والمتشابه وقضية التفويض .

   وقد اشتمل على عدة مطالب :

المطلب الأول : حقيقة مذهب الخلف في نصوص الصفات .

المطلب الثاني : أمثلة معاصرة على اعتقاد الخلف أن مذهب السلف هو التفويض .

المطلب الثالث : أسباب القول بالتفويض ولوازمه .

الخاتمة : وقد اشتملت على أبرز النتائج .

(1)             طه:5 .

(2)        اللالكائي : أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري ، 1402هـ ، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ، تحقيق الدكتور أحمد سعد حمدان ، الرياض ، دار طيبة 3/398 .

(3)             أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب ذكر ابن صياد ، (2931) 4/2240   .

(4)             الشورى:11.

(5)             الإسراء:36 .

(6)             الأعراف:33 .

(7)             طه:5 .

(8)             النحل:43 .

(9)        ابن تيمية : شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ، 1381 هـ ، الرياض ، مجموع الفتاوي ، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد ، رسالة الإكليل ، 2/33 ، ط دار الإفتاء بالسعودية .


 

No comments:

Post a Comment