Wednesday, July 28, 2010

القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.

بسم الله الرحمن الرحيم
القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.

وقد سبق تفصيل القول في الثلاث الأولى ([1])، وبقى الكلام في القاعدة الرابعة، وهي متعلقة بموضوع هذا البحث. ولذلك سيتم توضيح القول فيها بعون الله.

قاعدة: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر:

هذا الأصل أو هذه القاعدة – من أعظم الأصول والقواعد في باب الأسماء والصفات، ومن أهمها في بيان تناقض الخصوم من أهل الكلام – على مختلف طبقاتهم ودرجاتهم في هذا الباب – كما أنها مشتملة على جوانب عظيمة في إقناع من يتردد في صحة مذهب السلف، أو يخالطه شك أو شبهة مما ينثره أهل الكلام في كتبهم ومقالاتهم.

وهذه القاعدة لم يفصل القول فيها أحد – فيما أعلم – قبل شيخ الإسلام، وإن كان قد ألمح إليها بعض الأشاعرة – إحساساً منه بالتناقض ([2]) – أو بعض أهل السنة اقتناعا منه بتناقض خصومه – ([3])، أما الكلام فيها بهذه القوة والوضوح والإقناع فقد كان مما وفق الله هذا الإمام إليه، وهو سبحانه وتعالى المتفضل على عباده بما يشاء، فله الحمد والمنة.







وقبل الدخول في تفاصيل هذا الأصل – أو هذه القاعدة – يمكن إجمال ما اشتملت عليه من الأصول والقواعد بما يلي:

1-             أن من نفي بعض الصفات وأثبت البعض الآخر، لزمه فيما أثبته نظير ما يلزمه فيما نفاه.

2-             أن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، لأنه قد يكون ثبت بدليل آخر غير هذا الدليل.

3-             أن كل من أول صفة لزمه فيما أوله نظير ما أظن أنه يلزمه فيما فر منه.

4-             أن دلالة السمع والعقل على الصفات واحدة:

أ‌-                 فإذا كان السمع قد دل على الصفات السبع، فقد دل أيضا على غيرها، ووجه الدلالة وقوة النص واحدة.

ب‌-           وإذا دل العقل على الصفات السبع، فيمكن أن يدل العقل على غيرها، مما ينفيه هؤلاء.

5-             أنه يقال للأشعري نظير ما يقوله هو للمعتزلي في مسألة الأسماء.

6-             أن هذا الأصل يمكن أن يرد به على جميع النفاة:

أ‌-                 الأشعري الذي يثبت بعض الصفات دون بعض.

ب‌-           والمعتزلي الذي يثبت الأسماء وينفي الصفات.

ت‌-           والجهمي الذي ينفي الأسماء والصفات ولكن يقر بأن الله شيء وأنه موجود.

ث‌-           والغلاة: الذين يسلبون النقيضين.

وقد استخدم شيخ الإسلام هذا الأصل في الرد على هؤلاء جميعا، وبين تناقضهم. وبالنسبة للأشاعرة – الذين هم مدار هذا البحث – فيمكن بيان منهجه في تقرير هذا الأصل بذكر أحد ردوده العامة، ثم ذكر عدد من الأمثلة التي أوردها شيخ الإسلام في مناقشته لهم معتمداً على الأصل:

سبق – في مبحث الأسماء – أن الأشاعرة وإن أثبتوا أسماء الله بإجمال، إلا أنهم يتأولون – في بعض هذه الأسماء – ما تدل عليه من الصفات، فمثلا يثبتون من أسماء تعالى: الرحيم، والعلي، والودود، ولكنهم حينما يفسرونها يتأولونها كما يتأولون صفة الرحمة، والعلو، والمحبة، وغيرها. أما العليم والقدير فلا يتأولونه، كذلك هم في الصفات يثبتون السمع والبصر والكلام والإرادة، ويتأولون غيرها كالرحمة والرضا والغضب وغيرها.

فشيخ الإسلام بين تناقضهم في ذلك كله فقال: "من أقر بفهم بعض معنى الأسماء والصفات دون بعض، فيقال له: ما الفرق بين ما أثبته وبين ما نفيته، أو أمسكت عن إثباته ونفيه؟ فإن الفرق:

-        أما أن يكون من جهة السمع.

-        أو من جهة العقل بأن أحد المعنيين يجوز أو يجب إثباته دون الآخر. وكلا الوجهين باطل بأكثر المواضع:

أما الأول: فدلالة القرآن على أنه: رحمن، رحيم، ودود، سميع، بصير، علي، عظيم، كدلالته على أنه: عليم، قدير، ليس بينهما فرق من جهة النص، وكذلك ذكره لرحمته،ومحبته، وعلوه، مثل ذكره لمشيئته وإرادته.

وأما الثاني: فيقال من أثبت شيئا ونفى آخر: لم نفيت مثلا حقيقة رحمته، ومحبته، وأعدت ذلك إلى إرادته؟.

فإن قال: لأن المفهوم من الرحمة رقة تمتنع على الله.

قيل له: والمعنى المفهوم من الإرادة في حقنا هي ميل يمتنع على الله.

فإن قال: إرادته ليست من جنس إرادة خلقه.

قيل له: ورحمته ليست من جنس رحمة خلقه، وكذلك محبته.

وإن قال – وهو حقيقة قوله - : لم أثبت الإرادة وغيرها بالسمع، وإنما أثبت العلم والقدرة والإرادة بالعقل، وكذلك السمع والبصر والكلام – على أحد الطريقتين – ؛ لأن العقل دل على القدرة، والإحكام دل على العلم، والتخصيص دل على الإرادة.

قيل له: الجواب من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن الأنعام، والإحسان، وكشف الضر، دل أيضا على الرحمة، كدلالة التخصيص على الإرادة. والتقريب والإدناء وأنواع التخصيص التي لا تكون إلا من المحب، تدل على المحبة، ومطلق التخصيص يدل على الإرادة، وأما التخصيص بالإنعام فتخصيص خاص، والتخصيص بالتقريب والاصطفاء تقريب خاص. وما سلكه في مسلك الإرادة يسلك في مثل هذا.

الثاني: يقال له: هب أن العقل لا يدل على هذا، فإنه لا ينفيه إلا بمثل ما ينفي به الإرادة. والسمع دليل مستقل بنفسه، بل الطمأنينة إليه في هذه المضايق أعظم، ودلالته أتم. فلأي شيء نفيت مدلوله، أو توقفت، وأعدت هذه الصفات كلها إلا الإرادة، مع أن النصوص لم تفرق؟ فلا يذكر حجة إلا عورض بمثلها في إثباته الإرادة زيادة على الفعل"([4]).

ثم ذكر شيخ الإسلام نموذجاً لما يمكن أن يكون من مناقشة بين الأشعري والجهمي المعتزلي الذي ينكر صفة الإرادة فقال:

"الثالث: يقال له [أي للأشعري]([5]) إذا قال الجهمي [والمعتزلي]: الإرادة لا معنى لها إلا عدم الإكراه، أو نفس الفعل والأمر به، وزعم أن إثبات إرادة تقتضي محذورا – إن قال بقدمها، ومحذورا إن قال بحدوثها ([6])…

كان جوابه [أي جواب الأشعري للمعتزلي الجهمي]: أن ما ادعى إحالته من ثبوت الصفات ليس بمحال، والنص قد دل عليها، والعقل أيضا. فإذا أخذ الخصم [أي المعتزلي] ينازع في دلالة النص أو العقل جعله مسفسطا أو مقرمطا [أي حكم الأشعري على المعتزلي بذلك]. [فيقول أهل السنة للأشعري:] وهذا بعينه موجود في الرحمة، والمحبة،…"([7]).

وقد أكمل شيخ الإسلام المناقشة لبيان بطلان مذهب المعتزلة والجهمية وغيرهم، ثم ذكر كلاما مجملا مهما، فقال:

"ونكتة هذا الكلام: أن غالب من نفي وأثبت شيئا مما دل عليه الكتاب والسنة، لابد أن يثبت الشيء لقيام المقتضي وانتفاء المانع، وينفي الشيء لوجود المانع، أو لعدم المقتضى، أو يتوقف إذا لم يكن له عنده مقتض ولا مانع:

فبين له أن المقتضى فيما نفاه قائم، كما أنه فيما أثبته قائم، إما من كل وجه، أو من وجه يجب به الإثبات، فإن كان المقتضى هناك حقا فكذلك هنا، وإلا فدرء ذاك المقتضى من جنس درء هذا.

وأما المانع فيبين أن المانع الذي تخيله فيما نفاه من جنس المانع الذي تخيله فيما أثبته؛ فإذا كان ذلك المانع المستحيل موجودا على التقديرين لم ينج من محذوره بإثبات أحدهما ونفي الآخر، فإنه إن كان حقا نفاهما، وإن كان باطلا لم ينف واحد منهما، فعليه أن يسوي بين الأمرين في الإثبات والنفي، ولا سبيل إلى النفي فتعين الإثبات.

فهذه نكتة الإلزام لمن أثبت شيئاً وما من أحد إلا ولا بد أن يثبت شيئاً، أو يجب عليه إثباته"([8]).

ثم ضرب شيخ الإسلام مثالا في الرد على متأخري الأشعرية – سبق نقله عند الكلام على شبهة التركيب -.

وبعد هذه المقدمة العامة يمكن ذكر نماذج من تطبيق شيخ الإسلام لهذا الأصل في ردوده ومناقشاته للأشاعرة، ومنها:

1-     إذا كان التجسيم لازما لبعض الصفات فهو لازم للصفات التي أثبتموها، وبالعكس، أي إذا لم يكن التجسيم لازما للصفات التي أثبتموها، فلا يلزم في الصفات التي نفيتموها، وهكذا. والنتيجة أنكم إما أن تثبتوا جميع الصفات لأنها لا تستلزم التجسيم، أو تنفوها كلها لا ستلزامها التجسيم.

وهذا وارد في جميع الصفات التي نفاها متأخرو الأشاعرة كصفة الرضا، والغضب، والرحمة، والوجه، واليد، والاستواء، والمجيء وغير ذلك.

وقد بدأ شيخ الإسلام في تقرير هذا بأن الصفات من المعتزلة والجهمية والقرامطة والباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة، يقولون: "إذا قلتم: إن القرآن غير مخلوق، وإن لله تعالى علماً، وقدرة، وإرادة، فقد قلتم بالتجسيم؛ فإنه قد قاد دليل العقل على أن هذا يدل على التجسيم؛ لأن هذه معاني لا تقوم بنفسها، لا تقوم إلا بغيرها، سواء سميت صفاتا أو أعراضا، أو غير ذلك، قالوا: ونحن لا نعقل قيام المعنى إلا بجسم، فإثبات معنى يقوم بغير جسم غير معقول"([9]).

هذه خلاصة شبهة واستدلال نفاة جميع الصفات، دون تفريق بين صفات المعاني وغيرها.

وحينئذ فإن الأشعري سيد عليهم بإثباتهم لأسماء الله وعدم استلزامها للتجسيم، فكذلك هذه الصفات التي أثبتها. فهو يقولك "بل هذه المعاني يمكن قيامها بغير جسم، ما أن عندنا وعندكم إثبات عالم، قادر، ليس بجسم"([10]).

وهذا جواب صحيح، ولذلك فالمثبت لجميع الصفات الواردة سيقول للأشعري معلقا على جوابه السابق لنفاة جميع الصفات: "الرضا، الغضب، والوجه، واليد، والاستواء والمجيء [وغيرها كذلك]([11])، فأثبتوا هذه الصفات أيضا، وقولوا: إنها تقوم بغير جسم"([12]).

وحينئذ سيعترض الأشاعرة قائلين: "لا يعقل رضا وغضب إلا ما يقوم بقلب هو جسم، ولا نعقل وجها ويدا إلا ما هو بعض من جسم"([13]).

حينئذ فيجيبهم أهل السنة بقوله: "ولا نعقل علما إلا ما هو قائم بجسم، ولا قدرة إلا ما هو قائم بجسم، ولا نعقل سمعا وبصرا وكلاما إلا ما هو قائم بجسم، فلو فرقتم بي المتماثلين؟ وقلتم: إن هذه يمكن قيامها بغير جسم، وهذه لا يمكن قيامها إلا بجسم، وهما في المعقول سواء"([14]).

وهذا مما لا محيد للأشاعرة عنه، لأنه لا فرق بينه ما نفوه وما أثبتوه، وقد صاغها شيخ الإسلام في مكان آخر بعبارة أخرى فقال: "إن من نفى شيئاً من الصفات لكون إثباته تجسميا وتشبيها، يقول له المثبت: قولي فيما أثبته من الصفات والأسماء كقولك فيما أثبته من ذلك، فإن تنازعا في الصفات الخبرية، أو العلو، أو الرؤية أو نحو ذلك وقال له النافي: هذا يستلزم التجسيم والتشبيه؛ لأنه لا يعقل ما هو كذلك إلا الجسم، قال المثبت: لا يعقل ما له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة إلا ما هو جسم، فإذا جاز لك أ، تثبت هذه الصفات وتقول:الموصوف بها ليس بجسم، جاء لي مثل ما جاز لك من إثبات تلك الصفات مع أن الموصوف بها ليس بجسم، فإذن جاز أن يثبت مسمى بهذه الأسماء ليس بجسم. فإن قال له: هذه معان وتلك أبعاض. قال له: الرضا والغضب والحب والبغض معا، واليد والوجه – وإن كان بعضا – فالسمع والبصر والكلام أعراض لا تقوم إلا بجسم، فإن جاز لك إثباتها مع أنها ليست أعراضها ومحلها ليس بجسم، جاز لي أ، أثبت هذه مع أنها ليست أبعاضا"([15]).

ولن الأشاعربة يعترضون ويقولون: الغضب هو غليان دم القلب لطلب الإنتقام، والوجه هو ذو الأنف والشفتين واللسان والخد، أو نحو ذلك"([16]).

فيجيبهم المثبتة بقولهم: "إن كنتم تريدون غضب العبد ووجه العبد، فوزانه أن يقال لكم: ولا يعقل بصر إلا ما كان بشحمه، ولا سمع إلا ما كان بصماخ، ولا كلاما إلا ما كان بشفتين ولسان، ولا إرادة إلا ما كان لاجتلاب منفعة أو استدفاع مضرة، وأنتم تثبتون لله السمع والبصر والكلام والإرادة على خلاف صفات العبد، فإن كان ما تثبتونه مماثلا لصفات العبد لزمكم التمثيل في الجميع، وإن كنتم تثبتونه على الوجه اللائق بجلال الله تعال من غير مماثلة بصفات المخلوقات، فأثبتوا الجميع على هذا الوجه المحدود، ولا فرق بين صفة وصفة، فإن ما نفيتموه من الصفات فيه نظير ما أثبتموه.

فإما أن تعطلوا الجميع، وهو ممتنع، وإما أ، تمثلوه بالمخلوقات وهو ممتنع، وأما أ، تثبتوا الجميع على وجه يختص به لا يماثله فيه غيره، وحينئذ فلا فرق بين صفة وصفة، فالفرق بينهما بإثبات أحدهما ونفي الآخر فرارا من التشبيه والتجسيم قول باطل، يتضمن الفرق بين المتماثلين، والتناقض في المقالتين"([17]).

ولا تحتاج هذه المناقشة إلى تعليق، لأن التناقض واضح في تفريقهم بين ما يلزم منه تجسيم وتشبيه وين ما لا يلزم منه ذلك، لأن هذه الصفات كلها يتصف بها المخلوق، فإن لزم في بعضها التشبيه لزم في الباقي، وإن لم يلزم في بعضها لم يلزم في الباقي.

ولذلك فإن الأشاعرة يرجعون في التفريق إلى دليل العقل، فيقولون: ما دل عليه العقل وجب إثباته، وما لم يدل عليه العقل فيجب نفيه، أو على الأقل التوقف فيه.

يقول الأشعري – معللا تفريقه بين إثبات الصفات السبع ونفي ما عداها - : "تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام، أو ضد ذلك"([18]).

وهناك يذكر شيخ الإسلام أن لسائر أهل الإثبات أجوبة:

أحدها: أن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، وهذا مبني على مسالة واضحة جدا يقر بها كل عاقل، وهي أن عدم العلم ليس علما بالعدم ([19])، فعدم علمي بوجود كتاب، أو مدينة من المدن المغمورة، أو وجود شخص ما – لا يعني أ، هذه الأمور غير موجودة، بل قد تكون موجودة وقد يكون علمها غيري، فعدم علمي بها ليس علما بعدمها، وهذا لو أنكره إنسان لعد من أجهل الناس.

ولذلك فإنه يقال لهؤلاء الأشاعرة: عدم الدليل المعين، الذي هو دليل العقل،والذي قلتم إنه لم يدل على ما عدا الصفات السبع، لا يستلزم عدم المدلول المعين الذي هو باقي الصفات، "فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت"([20]).

الثاني: أن يقال: إذا كان دليل العقل لم يثبت هذه الصفات، - وعدم إثباته لها ليس دليلاً على نفيها – فإن هناك دليلاً آخر دل عليها، وهو دليل السمع "ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم"([21]).

وهذا الوجه الثاني مترتب على الوجه الأول، ولذلك جمع بينهما في وجه واحد في التدمرية، وأفردهما عن بعض في مجموع الفتاوى ([22]).

الثالث: "أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكافرين يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في معقولاته ومأموراته – وهي ما تنتهي إليه معقولاته ومأموراته من العواقب الحميدة – تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأولى، لقوة العلة الغائبة، ولهذا كان ما في القرآن من بيان  ما في مخلوقاته من النعم والحكم وأعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة"([23]). 

لا فرق بين استدلالهم بالعقل على الإرادة والعلم،  وبين الاستدلال غيرهم به على الحب والبغض، والحكمة والرحمة وغيرها.

وهذه الوجوه الثلاثة مبينة أن احتجاجهم بدليل العقل على الصفات السبع لا يدل على نفي ما عداها من الصفات الثابتة. ولكن لو عاد الأشعري وقال:

صحيح أنني أثبت هذه الصفات بالعقل، ولكني أيضاً نفيت ما عداها بالعقل لأنها تستلزم التجسيم. وحينئذ يعود الكلام إلى ما ذكر أولا في بداية هذه المناقشة ويقال له: "القول في هذه الصفات التي تنفيها كالقول في الصفات التي أثبتها، فإن كن هذا مستلزما للتجسيم فكذلك الآخر، وإن لم يكن مستلزما للتجسيم فكذلك الآخر"([24])، فدعواه التفريق بينهما باطل وهو متناقض كما تقدم.

هذا هو أهم الأمثلة التي ذكرها شيخ الإسلام، وهو مثال شامل لجميع الصفات التي نفاها الأشاعرة ([25]). وهناك أمثلة أخرى ترجع إلى ما سبق ومنها:

2-             تطبيقه في صفة النزول:

يقول شيخ الإسلام في شرح حديث النزول بعد تقريره لهذا الأصل وهو أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر: "ومثل ذلك أنه إذا قال: النزول والاستواء ونحو ذلك، من صفات الأجسام؛ فإنه لا يعقل النزول والاستواء إلا لجسم مركب، والله سبحانه منزه عن هذه اللوازم، فيلزم تنزيهه عن الملزوم، أو قال: هذه حادثة، والحوادث لا تقوم إلا بجسم مركب، وكذلك إذا قال: الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك من صفات الأجسام.

فإنه يقال له: وكذلك الإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، من صفات الأجسام، فإنا كما لا نعقل ما ينزل، ويستوى، ويغضب، ويرضي، إلا جسما، لم نعقل ما يسمع، ويبصر، ويريد، ويعلم، ويقدر، إلا جسما.

فإذا قيل: سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته ليست كإرادتنا، وكذلك علمه وقدرته. قيل له: وكذلك رضاه ليس كرضانا، وغضبه ليش كغضبنا، وفرحه ليس كفرحنا، ونزوله واستواؤه ليس كنزولنا واستوائنا…"([26]) ثم أكمل الكلام بمثل ما سبق ([27]).

3-             في نفيهم العلو:

من شبه الأشاعرة في نفي العلو أنه يلزم منه أن يكون الله مركبا، منقسما، ذا قدر:

وكان من مناقشة شيخ الإسلام أن ألزمهم ذلك بإثباتهم للصفات فقال: "وإذا جاز أن يقولوا: إن الموصوف الذي له صفات متعددة هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ينقسم، جاز أيضا أن يقال: إن الذي له قدر هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ينقسم، وإن كان في الموضعين يمكن أن يشار إلى شيء منه، ولا يكون المشار إليه هو عين الآخر"([28]).

ثم إن شيخ الإسلام ألزم الأشاعرة في إثبات علو الله وقيامه بنفسه بما أثبتوه أيضا من الصفات التي لا يجعلونها أعراضا وينكرون على من ألزمهم بذلك فكذلك يقال لهم: إذا ثبت أن الله تعالى بائن من خلقه قائم بنفسه لا يلزم أن يكون جسما مركبا، يقول شيخ الإسلام: "فيقال إذا كان القائم بغيره من الحياة والعلم و القدرة وإن شارك سائر الصفات في هذه الخصائص "ولم يكن عندك عرضا، فكذلك القائم بنفسه وإن شارك غيره من القائمين بأنفسهم فيما ذكرته، لم يجب أن يكون جسما مركبا منقسما، ولا فرق بين البابين بحال؛ فإن المعلوم من القائم بنفسه أنه جسم، ومن القائم بغيره أنه عرض، وأن القائم بنفسه لا بد ا، يتميز منه شيء عن شيء، والقائم بغيره لا بد أن يحتاج إلى محله، فإذا أثبت اقئما بغيره يخالف ما علم من حال القائم بنفسه ([29]) في ذلك، فكذلك لزمه أن يثبت قائما بنفس يخالف ما علم من حال القائمين بأنفسهم"([30]).

ومثل ذلك ما يقال من أن اختصاص الله تعالى بالوصف كاختصاصه بالقدر، فكيفي فرق بينهما من ينكر العلو والاستواء لاستلزامه القدر ([31]) وقد سبق توضيح هذا عند الكلام على شبهة "الاختصاص" ضمن حجج الأشاعرة العقلية على نفي ما نفوه من الصفات.

4-             في حديث الصورة: "خلق الله آدم على صورته"([32]).

ذكر شيخ الإسلام في رده على من تأوله فقال: "المحذرو الذي فروا منه لتأويل الحديث على أن الصورة بمعنى الصفة، أو الصورة المعنوية، أو الروحانية، ونحو ذلك، يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فورا منهن وإذا كان مثل هذا لازما على التقديرين لم يجز ترك مقتضى الحديث ومفهومه لأجله،ولم يكن أيضا محذورا بالإتفاق…"([33]).

5-             القول في نصوص الصفات كالقول في نصوص المعاد:

أي أن النصوص التي ثبتت بها الصفات هي مثل النصوص التي ثبت بها المعاد، فتفريق الأشاعرة – وغيرهم – بينهما بإثبات هذا ونفي هذه تناقض، بل يلزمهم أن يقروا بك لما ورد من الصفات كإقرارهم بنصوص المعاد، خاصة وأن نصوص الصفات أكثر ([34]).وهذا وضح جداً.

([1])   الأولى (ص:756) وما بعدها، والثانية (ص:727) وما بعدها، والثالثة (ص:819) وما بعدها.

([2])   مثل ما فعله الجويني في الإرشاد (ص:157-158)، حين ألزم من يثبت الوجه واليدين بظواهر النصوص، أن يثبت الاستواء والمجيء والجنب وأن يجعلها من الصفات. كما ألزم من يسوغ تأويل الاستواء والجنب أ، يجيز تأويل الوجه واليدين. وقد سبقت الإشارة إلى ذلك (ص:640-641).

([3])   مثل ما فعله ابن قدامة في كتابه: "تحريم النظر في كتب أهل الكلام" – الذي هو رد على أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي – انظر (ص:1) وما بعدها. فإن ابن قدامة لما رد عليه وعلى غيره في مسألة كلام الله، وأن القول: إنه بصوت يلزم منه التشبيه، لأن الصوت في المشاهدات يكون من اصطكاك الأجرام، فرد عليهم ابن قدامة من وجوه ثلاثة: وذكر منها: "الثالث: أن هذا باطل بسائر صفات الله تعالى التي سلتموها من السمع والبصر والعلم والحياة، فإنها لا تكون في حقنا إلا من أدوات، فالسمع من انخراق، والبصر من حدقة، والعلم من قلب، والحياة في جسم. ثم جميع الصفات لا تكون إلا في جسم، فإن قلتم: إنها في حق البارئ كذلك فقد جسمتم وشبهتم وكفرتم، وإن قلتم لا تفتقر إلى ذلك فلم احتج إليها ههنا؟" تحرم النظر في كتب أهل الكلام (ص:51)، صححه ونشره جورج المقدسي.

([4])   الأكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى (13/298-300).

([5])   ما بين المعكوفتين زيادة مني لتوضيح الكلام.

([6])   أي المعتزلي، لأن القول بقدم الصفة – كالإرادة – يلزم منه تعدد القدماء، والقول بحدوثها يلزم منه حلول الحوادث، وكلاهما ممتنع عندهم، انظر الأكليل – مجموع الفتاوى (13/300).

([7])   الأكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى (13/300-301).

([8])   الأكليل في المتشابه والتأويل – مجموع الفتاوى (13/302).

([9])   مجموع الفتاوى (6/44-45).

([10])   المصدر السابق (6/45).

([11])   في مجموع الفتاوى [وغير ذلك] ولعل ما أثبت يناسب سياق الكلام.

([12])   مجموع الفتاوى (6/45).

([13])   المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة.

([14])   المصدر نفسه، نفس الجزء والصفحة.

([15])   درء التعارض (1/127-128).

([16])   مجموع الفتاوى (6/45).

([17])   مجموع الفتاوى (6/45-46).

([18])   التدمرية (ص:33) – المحققة.

([19])   انظر: الرد على المنطقيين (ص:100).

([20])   التدمرية (ص:33-34) – المحققة، وانظر في تقرير هذا الوجه: شرح الأصفهانية (ص:9) – ت مخلوف – ودرء التعارض (4/59-60)، التسعينية (ً:242-243، 258).

([21])   التدمرية (ص:34) المحققة.

([22])   قارن التدمرية (ص:33-34)- المحققة، بمجموع الفتاوى (6/46).

([23])   التدمرية (ص:34-35) – المحققة.

([24])   مجموع الفتاوى (6/46-47).

([25])   انظر أيضاً في تقرير هذا الأصل: درء التعارض (1/99-100)، الرسالة الأكملية – مجموع الفتاوى (6/75)، شرح الأصفهانية (ص:27-28،384) – ت السعوي، والفرقان بين الحق والباطل – مجموع الفتاوى (13/165)، ومنهاج السنة (2/84) – ط دار العروبة المحققة، ومجموع الفتاوى (6/40-41).

([26])   شرح حديث النزول – مجموع الفتاوى (5/352).

([27])   انظر: المصدر السابق (5/353).

([28])   نقض التأسيس – مطبوع – (2/66).

([29])   كذا ولعل الصواب [بغيره].

([30])   نقض التأسيس – مطبوع – (2/67).

([31])   انظر: المصدر السابق (2/199)، وانظر: درء التعارض (3/372-385).

([32])   متفق عليه: البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدا السلام، ورقمه (6227)، فتح الباري (11/3)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب يدخل الجنة أقوا أفئدتهم مثل أفئدة الطير. ورقمه (2841).

([33])   نقض التأسيس – مخطوط – (3/273).

([34])   انظر: الفتوى الحموية – مجموع الفتاوى (5/33).
المصدر:  موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 3/1186


 

No comments:

Post a Comment