Sunday, August 16, 2009

المحجة العلمية في بيان معنى الحشوية والرد على من نبز به أهل السنة الطائفة المرضية - ونقد التجسيم


المحجة العلمية في بيان معنى الحشوية
والرد على من نبز به أهل السنة الطائفة المرضية


يعد هذا اللقب [الحشوية ] من أكثر الألقاب ذيوعا وورودا في كتب مخالفي أهل السنة أتباع السلف الصالح ، وذلك لكثرة الفرق التي رمت أهل السنة به ، فلا أدرى أهو مما تواصوا به أم تشابهت قلوبهم ، فاتفقت أقوالهم على وصم أهل السنة والأثر به ؟ولم يكتف أولئك المنحرفون عن السراط المستقيم والطريق القويم بذلك الغي الذي أثقلوا عقولهم به ، ليصدوا عن أنفسهم ردود أهل الحق عليهم لا، ولكنهم أتهموا أهل السنة أتباع السلف الصالح بشتى الألقاب التي هم أحق بها وأهلها ، منها هذا اللقلب الذي نحن بصدد بيانه ،وسأذكر طائفة من أقوال الفرق التي رمت أهل السنة به .

والتاريخ يعيد نفسه ، فما أشبه الليلة بالبارحة ، فأولئك المبتدعة سلسلة ظالمٌ أهلها ، ابتدات من المعتزلة الضلال الأُوَلِ .. ثم لم يخب أوارها إلى هذه الساعة .. فتلقفها طائفة من الجهال من أراذل العصر وأصبحوا يكررونها في كل محفل ومناسبة ليغرروا بها ذوي العقول القاصرة ، ويبهروا ذوي الأنظار الضعيفة الذين يحسبون كل شيء يلمع ذهبا .

فلما رأيت ذلك التغرير بكثرة التكرير ، وارتفع صوت التهويل بالضليل، واستجاب له صوت الكثير بالتكبير والتهليل ، ترشح عندي لزوم بيان ذلك بالدليل اليسير والقليل ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل .
وإليك أخي القارئ جملة من أقوالهم كما وعدتك والرد عليها ولكن بعد أن أذكر لك معنى ذلك اللفظ [الحشوية ] لغة واصطلاحا حتى تعرف من هو الذي أحق بذلك اللقب القبيح ؟.

أما لغة : فالحشو : هو أن يودع الشيء وعاء باستقصاء ، يقال : حشوته أحشوه حشوا ... ويقال : فلان من حشوة بني فلان أي : من رذالهم ، وإنما قيل ذلك لأن الذي تحشى به الأشياء لا يكون من أفخر المتاع بل أدونه .معجم مقاييس اللغة لابن فارس [ج2/ص74].
وقال في اللسان[ج3/ 180] : والحشو من الكلام : الفضل الذي لايعتمد عليه ، وكذلك هو من الناس ، وحشوة الناس رذالتهم .. وفلان من حشوة بني فلان بالكسر : أي من رذالهم .
وفي اصطلاح من أطلقه يراد به أحد المعاني الآتية :
1 - يراد به العامة الذين هم حشو الناس. ورذالتهم وجمهورهم ، وهم غير الأعيان والمتميزين[1].
--------------------
1 - أنظر منهاج السنة لابن تيمية [ج2/ 415-416].

الصفحة [2]
وهم عند الشيعة والروافض السواد الأعظم من هذه الأمة ، كما جاء في فرق الشيعة :للنوبختي[1].حيث نبز كل من لم يقل بإمامة علي رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الحشو :وهذا كلامه :<< فلما قتل علي رضي الله عنه – التفت الفرقة التي كانت معه والفرقة التي كانت مع طلحة والزبير وعائشة فصاروا فرقة واحدة مع معاوية بن أبي سفيان ؛ إلا القليل منهم من شيعته ومن قال بإمامته بعد النبي صلى الله عليه وسلم – وهم السواد الأعظم وأهل الحشو واتباع الملوك وأعوان كل من غلب ؛ أعني الذين التقوا مع معاوية ...>>أنظر إليه كيف يصف الصحابة بأنهم أهل حشو ..
2 – يراد به : رواة الأحاديث من غير تمييز لصحيحها من سقيمها : قال ابن الوزير :[2] فإن الحشوية إنما سموا بذلك ؛ لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أي يدخلونها فيها وليست منها .
قلت:كأنهم لا يعرفون ما يحدثون به..وقد بين ابن الوزير براءة أهل الحديث والسنة من هذا اللقب فقال : [.. فأكثر عامة المسلمين لايدرون من الحشوية ؟ ولا يعرفون أن هذه النسبة غير مرضية ... ومن كان له أدنى عرف أنّ نقاد الحديث وأئمة الأثر هم أعداء الحشوية وأكره الناس لهذه الطائفة الغوية .

3 – يراد به التجسيم : كما نقل التهاوني عن السبكي أنهم سموا بذلك لأن منهم المجسمة أو هم أنفسهم . والجسم حشو .
.
ونسب ابن القيم لجهلة الجهمية أنهم لقبوا أهل السنة بذلك لأنهم بزعمهم – جعلوا ربهم حشو هذا الكون بإثباتهم له صفة الفوقية والاستواء وأنه في السماء [3] . فهذه المعاني الثلاثة أو أحدها هي المسوغات التي اعتبرها مخالفوا أهل السنة وهم ينبزونهم بهذا اللقب الجائر .فعند الرافضة كل من لم يقل بإمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد رسول الله فهو حشوي ،وعند المعتزلة كل من أثبت الصفات ، وأثبت القدر فهو من حشو الناس وعند الأشاعرة والماتريدية كل من أثبت الصفات الخبرية ولم يؤولها ويصرفها عن ظاهرها فهو حشوي ، وإليك بعض أقوالهم :
--------------------
1 – كتاب فرق الشيعة [ ص06]طبع استانبول931 م.
2 - أنظر الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم [ج1/120].
3 - كشاف اصطلاحات الفنون [ج2/167] محمد علي الفاروقي ، تحقيق د . لطفي عبد البديع .

الصفحة [3]

المعتزلة :
وهم أول من تولى كبر ذلك ، إذ أول من عرف أنه تكلم في الإسلام بهذا اللفظ هو عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة قال يصف بعض الصحابة بذلك : < كان ابن عمر حشويا ..> قال ابن العماد في ترجمته : وكانت له جرأة فإنه قال عن ابن عمر : هو حشوي . قال : فانظر هذه الجرأة والافتراء عامله الله بعدله [1].
وذكر ابن جرير الطبري عن الخليفة العباسي المأمون الذي تبنى قول المعتزلة في خلق القرآن الكريم أنه نبز مخالفيه بأنهم حشو رعاع فقال في كتابه إلى إسحاق بن إبراهيم الخزاعي في امتحان القضاة والمحدثين :[.. وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ..] [2].
وهاهو القاضي عبد الجبار رأس من رؤوس المعتزلة يقول في كتابه شرح الأصول الخمسة : [ فقد ذهبت الحشوية والنوابت من الحنابلة إلى أن هذا القرآن المتلو في المحاريب ، والمكتوب في المصاحف غير مخلوق ولا محدث ..] [3]. وقال:[ .. ولسنا نقول في الصراط ما يقوله الحشوية من أن ذلك أدق من الشعر وأحد من السيف ] [4].

الرافضة :
قد تقدم نقل كلام النوبختي في ذلك ، وهذا كلام أحمد بن حمدان بن أبي حاتم الرازي قال: ومن ألقابهم أي – أهل السنة الحشوية – حشوية لقبوا بذلك ؛ لاحتمالهم كل حشو روي من الأحاديث المختلفة المتناقضة .. حتى قال فيهم بعض المحلدين : يروون أحاديث ثم يروون نقيضها ، ولروايتهم أحاديث كثيرة مما أنكره عليهم أصحاب الرأي وغيرهم من الفرق في التشبيه وغير ذلك ..فلقبوهم الحشوية بذلك [5].
--------------------
1- شذرات الذهب في أخبار من ذهب [ج1/221].
2 - تاريخ الأمم والملوك [ج8/632] بتحقيق أبي الفضل إبراهيم .
3 - [ص527].
4 -[ص737].
5 - كتاب الزينة ملحق بكتاب الغلو والفرق الغالية : للدكتور عبد الله سلوم السامرائي [ص267].

الصفحة [4]

ويقصد بقوله : من الفرق في التشبيه أحاديث الصفات، وأهل السنة لم يقولوا إلا بما صح عندهم منها فآمنوا به واعتقدوا ما دل عليه ، وماأنكر ذلك عليهم إلا معروف ببدعة .

الأشاعرة :
فقد تلقوا هذه التركة عن المعتزلة ، فتراهم يتابعونهم على ما درجوا عليه من نبز أهل السنة والأثر بهذا اللقب الجائر ، وهذه بعض أقوالهم :
يقول أبو المعالي الجويني : وذهب الكرامية وبعض الحشوية إلى أن الباري تعالى متحيز مختص بجهة فوق ... [1] .
وقصد بالحشوية من أثبت الفوقية لله عز وجل وهم أهل السنة والحديث أتباع السلف الصالح، وإن أهل السنة والحديث لم ينطقوا بلفظ التحيز والجهة نفيا ولا إثباتا كما هو منهجهم ، وإنما أثبتوا لله ما أثبته لنفسه من الفوقية ، ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ .
الإمام الغزالي أبو حامد فقد جعل من أثبت رؤية الله عز وجل في جهة حشويا [2].
الآمدي :يقول : [ .. وبهذا يتبين فساد قول الحشوية : إن الإيمان هو : التصديق بالجنان ، والإقرار باللسان ، والعمل بالأركان ...] [3]. فقد عد من قال بقول أهل السنة في الإيمان حشويا .

الماتريدية :
وهي صنو الأشعرية وشريكتها في إرث تركة المعتزلة ، ورمي أهل السنة بألقاب السوء ، وها هو شيخ الماتريدية ومؤسسها الأول أبو منصور الماتريدي يصم من يعد الأعمال داخلة في مسمى الإيمان بأنه حشوي فيقول في تعريف الإرجاء : ثم اختلف في المعنى الذي سمي به من سمي مرجئا بعد اتفاق أهل اللسان على الإرجاء أنه التأخير ..
قالت الحشوية : سميت المرجئة بما لم يسموا كل الخيرات إيمانا .. [4].
--------------------
1 - الإرشاد [ص39].
2 - أنظر الاقتصاد [ص48].
3 - أنظر غاية المرام في علم الكلام بتحقيق حسن محمود عبد اللطيف [ص311 ] .
4 - كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي [ص381] بتحقيق د. فتح الله خليف ، المكتبة الإسلامية تركيا .
الصفحة ل[5]

الصفحة [5]

الخوارج :
نسب ذلك إليهم الإمام أحمد بن حنبل فقال في كتاب السنة :في معرض حديثه عما أحدثه أهل الأهواء والبدع والخلاف من أسماء شنيعة قبيحة سموا بها أهل السنة : فقال: وأما الخوارج فيسمون أهل السنة : نابتة وحشوية .
وللرد على من ينبز أهل السنة بهذا اللقب ويتكرر على لسانهم ذلك نقول:
وللرد على من ينبز أهل السنة بهذا اللقب ويتكرر على لسانهم ذلك نقول:
1 - إن هذا اللقب لقب مبتدع ما أنزل الله به من سلطان ، فليس هو في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ، ولا نطق به أحد من سلف الأمة وأئمتها نفيا ولا إثباتا ، فالذم به ذم للناس بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان بل هو من قبيل التنابز بالألقاب المنهي عنه[1] .
2 – إن الطائفة إنما تتميز باسم رجالها أو بنعت أحوالها فالأول كما يقال : الجهمية ، نسبة للجهم بن صفوان ، والكلابية نسبة لابن كلاب ، والأشعرية نسبة للأشعري ، والثاني : كما يقال : الرافضة لرفضهم زيد بن علي ، والقدرية لقولهم بالقدر ، والمرجئة لقولهم بالإرجاء في الإيمان ، أما لفظ الحشوية فليس فيه ما يدل على شخص معين ولا مقالة معينة [2].
3 – أنكم نبزتم أهل السنة بهذا اللقب ؛ لأنهم بزعمكم يروون الأحاديث بلا تمييز ولا إنكار . وهذا خلاف الواقع ، فإن أهل الحديث والسنة هم الذين اختصوا بالذب عن السنة ، وميزوا صحيحها من سقيمها ، ثم إنكم أيها المخالفون المبتدعون أحق بهذا اللقب ، لنترك القراء الكرام العقلاء يحكمون من هو أحق بهذا اللقب القبيح فأنتم تستشهدون لمذهبكم بما يؤيده من الأحاديث وإن كان ضعيفا أو موضوعا عند أهل الحديث ، ولكنكم تحشون أقوالكم ومصنفاتكم بالكلام الذي لا تعرف صحته ، بل يعرف بطلانه لمخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذه أقوالكم مطابقة لما عليه تلك الفرق المخالفة لأهل السنة ، فبان بهذا أنكم أحق بهذا اللقب القبيح من المتمسكين بمنهج السلف الصالح .
--------------------

1 - 1 - أنظر ابن تيمية ، الفتاوى [ج4/146].



2 - أنظر منهاج السنة لابن تيمية :[ج2/ 414] بتصرف . الصفحة [6]

4 – أما معنى التجسيم الذي نبزتم أهل السنة بالحشو لأجله ، فإنه ليس في قول أهل السنة تجسيم ، لأنهم إنما أثبتوا لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله من الصفات ، مع نفي المشابهة والمماثلة للمخلوقات ، ثم إن لفظ التجسيم عندهم من الألفاظ المبتدعة فلم ينطقوا به نفيا ولا إثباتا .
5 – أنه ينبغي أن ينظر في الموسومين بهذا الاسم وفي الواسمين لهم به أيهما أحق ، وقد علم أن هذا الاسم مما اشتهر عن النفاة ممن هم مظنة الزندقة ، كما ذكر العلماء – كأبي حاتم وغيره – أن علامة الزنادقة تسميتهم لأهل الحديث حشوية [1].
ويكفي أن نعرف أن أول الواسمين به عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة كما تقدم ، وأن أول الموسومين به هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما الصحابي الجليل ،والصحابة أيضا كما في وصف ذلكم الشيعي ، ثم أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة رحمه الله ، لتعلم منزلة الواسم والموسوم .فتبين بهذا أن القوم يرتضون قول المعتزلة والرافضة والزنادقة والفرق الأخرى التي تبنته ونطقت به في طعنها على أهل السنة أتباع السلف الصالح . ويصف به أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد الذي نسب إليه بعضهم التأويل دون نظر ولا تحقيق في المسألة .

قال الشيخ خليل هراس في شرح النونية لابن القيم[2]: فهذا عمرو بن عبيد رأس في البدعة والاعتزال ، وعبد الله بن عمر صحابي ابن صحابي ، من أكثر الصحابة رواية وحفظا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك نقم عليه ابن عبيد ، وعده حشويا لكثرة روايته ؛ لأن المعتزلة أعداء الحديث والأثر ، والإمام أحمد هو من هو في الإمامة والتقدم في العلم والسنة .
ثم ورث كلا من الواسم والموسوم أتباعه ومن على منهجه ، فورث عمرو بن عبيد في نبز أهل السنة بهذا اللقب ، أهل البدعة والخلاف ، وورث عبد الله بن عمر والأمام أحمد أهل السنة والجماعة وأنى يستوى الإرثان، هذا إرث هدى وسنة ، وذاك إرث ضلالة وبدعة .فانظروا لأنفسكم أيها الأرذال الجهال أي الإرثين ورثتم .
--------------------
1 - أنظر مجموع الفتاوى لابن تيمية [ج4/ 88].
2 - [ج1/ص335].
تنبيه هذا الموضوع مأخوذ من رسالتي القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين [بوروبي ] وقد استفدته من كتاب وسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق مع مع تصرف يسيرواختصار حسب الحاجة .
وكتب: أبو بكر يوسف لعويسي .

المصدر: منتديات البيضاء العلمية
-----
تفضلوا بزيارة قناة القرون الاولى المفضلة FirstGenerations

هل التمشعر سنَّة؟


هل التمشعر سنَّة؟

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
التاريخ :10/8/1430 هـ

لا نزاع أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والحديث عن المذهب الأشعري بعلم وعدل كافٍ في تحقيق الجواب، وزوال الإشكال، ومن طوامِّ هذا العصر أن يتصدَّر أقوام للخوض في هذه المسألة، فيبعثوا أحكاماً جزافاً وفق ظنون كاذبة أو أهواء جامحة؛ فإطلاق القول بأن الأشاعرة هم أهل السُّنة والجماعة، قد يكون ناشئاً عن قصورٍ بمعرفة السُّنة النبوية وسبيلِ الاعتصام بها، وربما كان باعثه الجهل بحقيقة مذهب الأشاعرة؛ وأسوأ من ذلك كله إن كان جهلاً بسبيل السُّنة والاتباع وسبيل التمشعر والابتداع!

وقد ينفر بعضهم من تلك القضايا، ويبدي امتعاضه وأسفه، ويتعلل بأنّ في ذلك إذكاءً للطائفة المذهبية، وتوهيناً من وحدة المسلمين، واجتراراً للخلافات القديمة!

وما عَلِمَ هؤلاء المتدثرون بوحدة المسلمين أن الاجتماع الصحيح لا يتحقق بقلب الحقائق ومجانبة الصراط المستقيم، وتهوين المحْدَثات في الدين، ومصانعة أرباب البدع ومداهنتهم، ولـمَّا قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: يا خليفة رسول الله! تألّف الناس! أجابه الصديّق الأكبر: علامَ أتألَّفهم: أعلى حديث مفترى أم على شعر مفتعل[1]؟

بل إن ترك السُّنة وتنكُّب الصراط المستقيم في العقائد والشرائع يوقع تفرقاً وتشرذماً، ومتى آمنوا بالكتاب كله واعتصموا بالسُّنة تحقق الاجتماع والوئام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا التفريق الذي حصل من الأمة: علمائها ومشائخها، وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال - تعالى -: { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ } [المائدة: ٤١] فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرّق القوم هلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب، وجِماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..»[2].

وقال أيضاً: «متى تركوا الاعتصام بالكتاب والسُّنة فلا بد أن يختلفوا؛ فإن الناس لا يفصل بينهم إلا كتاب منزَّل من السماء، كما قال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ {٢٠١} وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [آل عمران: ٢٠١ - ٣٠١]»[3].

وقال في موضع ثالث: «أَتْبَعُ الناس للرسول أقلُّ اختلافاً من جميع الطوائف المنتسبة للسُّنة، وكل من قَرُبَ للسنة كان أقل اختلافاً ممن بَعُد عنها، كالمعتزلة والرافضة، فنجدهم أكثر الطوائف اختلافاً»[4].

والمقصود أن موجبِ الاجتماع هو الاعتصام بالكتاب والسُّنة ولزوم الشرع المنزَّل، وأما الاجتماع على إهدار أصول مذهب السلف في المسائل والدلائل، فليس مشروعاً، بل هو إجماع هش على جرفٍ هار سرعان ما يعتريه التعثر والسقوط.

ومع تأكيد أهل السُّنة على لزوم السُّنة النبوية واتِّبـاعها، إلا أنهم يرحمون الخلق، كما يعلمون الحق، حتى إن أهل السُّنة لكل طائفة ومن أهل البدع خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض[5].

وكان ابن تيمية يقول: «والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة، وأنا كنت من أعظم الناس تأليفاً لقلوب المسلمين، وطلباً لاتفاق كلمتهم، واتباعاً لما أُمرنا به من الاعتصام بحبل الله، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة..»[6].

وإذا انتقلنا إلى مفارقة الأشاعرة للسُّنة، ومجانبتهم سبيل الشرع والعقل والفطرة، فإن هذه المفارقة في قضايا رئيسة وعديدة، ومبسوطة في مواضعها، وقد أجاد الشيخ سفر الحوالي - شفاه الله وعافاه - في تحرير ذلك، بأسلوب بليغ، وتقرير متين، كما في رسالته «منهج الأشاعرة في العقيدة»[7].

ومن هذه المفارقات أن السُّنة تُقرر أن أول واجب هو توحيد الله - عز وجل - وعبادته وحده كما في حديث معاذ مرفوعاً « فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله » أخرجه البخاري ومسلم، وأما أول واجب عند الأشاعرة؛ فهو النظر أو القصد إلى النظر[8].

ودلالة القرآن لا تفيد اليقين، كذا وخبر الآحاد لا يفيد العلم عند جمهور الأشاعرة[9]!

فــإن كـان القـرآن - وهـو الهــدى والنــور والـرحمــة والشفاء - لا يُحقق بَرْدَ اليقين، ولا يحصل بالسُّنة العلم والرسوخ.. أفيظن أن العلم واليقين متحقق بفلسفة اليونان الوثنية أو زندقة المعتزلة الكلامية؟

ولذا حلّ بالقوم الوحشة والقلق، والحَيرة والشكوك؛ فالآمدي حائر واقف في المسائل الكبار، والرازي يستوحش من روحه التي بين جنبيه! وتلميذه الخسروشاهي يبكي قائلاً: والله ما أدري ما أعتقد.. (قالها ثلاثاً!)[10].

وافتعل الأشاعرة تعارضاً بين النقل والعقل، كما في «القانون الكلي» للرازي وسَلفه، فقدموا ما ظنوه معقولاً - وهو في الحقيقة وهمٌ ومجهول - على نصوص الوحيين، وأعملوا التأويل الفاسد في المنقولات[11]، أو سلكوا سبيل التجهيل والتفويض والتضليل! بدعوى التوفيق والتلفيق بين النقل والعقل!

والحق أن النقل الصحيح يتفق تماماً مع العقل الصريح، كما بسطه ابن تيمية في كتابه النفيس «درء تعارض النقل والعقل».. ولا عجب أن يجعل ابن القيم هذا القانون الكلي طاغوتاً يتعيّن كسره وإبطاله، كما فعل - رحمه الله - في كتابه (الصواعق المرسلة).

ومن نماذج المفارقات أن القوم يثبتون سبعاً من الصفات الإلهية، وينفون سائرها، مع أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، والقول في الصفات كالقول في الذات. وفارقَ الأشاعرة السُّنَة في القَدَر، فمالوا إلى الجبر، ونفوا الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، وأنكروا الصفات الاختيارية، ونفوا التحسين والتقبيح العقليين. وأما في الإيمان فقد نصروا قول الجهم بن صفوان، فجعلوا الإيمان مجرد تصديق، فأخرجوا أعمال القلوب والجوارح وقول اللسان من تعريف الإيمان! وحجَّروا دلائل النبوة - والتي هي أكثر من أن تُذكر وأشهر من أن تحصر - وضيقوا ما وسَّع الله، فزعموا أن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة..

والمقصود أن مفارقات الأشاعرة للسُّنة كثيرة وشنيعة، حتى قال بعضهم: إن الأشاعرة خالفوا أهل السُّنة في جُلّ مسائل الاعتقاد إلا الصحابة والإمامة..

والحقيقة أن الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - لم يسْلَموا من لمزٍ وتعريض.. إذ زعم الأشاعرة أن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم «فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان والتحقيق، والسلفَ بالنقص في ذلك والتقصير فيه، ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض»[12].

أفبعد هذه المفارقات والضلالات يقال: إن الاشاعرة أرباب سُّنة واتباع؟! إن بين هذا التمشعر المتهافت وبين السُّنة النبوية مفاوز بعيدة وشاسعة تنقطع فيها أعناق المطي!

إن من دواعي الانخداع بالمذهب الأشعري أن التمشعر مذهب تلفيقي توفيقي بين الوحي والعقل - على حدّ زعمهم - فهو يختار التلوّن والمصانعة للفريقين (أهل السُّنة والجماعة وأهل الاعتزال)، وعند التحقيق وتجلية الأمور، فهو إلى المعتزلة أقرب وألصق، لكنهم يكتمون ذلك! حتى قال ابن قدامة: «ولا نعرف في أهل البدع طائفة يكتمون مقالتهم ولا يتجاسرون على إظهارها إلا الزنادقة والأشعرية»[13]، وقال الإمام السجزي (ت 444هـ): «والمعتزلة مع سوء مذهبهم أقل ضرراً على عوام أهل السُّنة من هؤلاء؛ لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تموِّه.. وكثير من مذهب الأشعري يقول في الظاهر بقول أهل السُّنة مجملاً، ثم عند التفسير والتفصيل يرجع إلى قول المعتزلة، فالجاهل يقبله بما يظهره، والعالِم يكشفه لما منه يخبره، والضرر بهم أكثر منه بالمعتزلة لإظهار أولئك ومجانبتهم أهل السُّنة، وإخفاء هؤلاء ومخالطتهم أهل الحق. نسأل الله السلامة من كلٍّ برحمته»[14].

والمذهب الأشعري لا يزيده تصرّم الأيام إلا انحرافاً وانحداراً، حتى أفضوا للتسول باليهود في إنكار الصفات، وكما يقال: طافوا بأخس المذاهب ونالوا أخبث المطالب والمكاسب، ومن ذلك أن موسى بن ميمون (ت 601هــ) من ملاحدة اليهود وفلاسفتهم[15]، ألّف «دلالةَ الحائرين» وهو طافح بتعطيل الصفات الإلهية وإنكارها، وقام التبريزي - أحد تلاميذ الفخر الرازي - بشرحه والتعليق عليه، ثم نشره محمد زاهد الكوثري - أشهر دعاة البدع والضلال في هذا العصر - سنة 1369هـ[16]، واحتفى به! وفي الوقت نفسه كان الكوثري المأبون في دينه ونقله يدَّعي أن أهل الحديث في الهند أضر على الإسلام من اليهود[17]!

وأخيراً: فمع شناعات المذهب الأشعري وكثرة عواره وتناقضاته، إلا أننا نستصحب في نفس الوقت مراتب الشرور، وأن في أهل الأهواء من هو شر منهم كالرافضة والخوارج ونحوهم، كما أن الحديث ها هنا عن التمشعر مذهباً ومعتقداً، وأما أربابه فقد يعتريهم ويلحقهم من عوارض الأهلية كالجهل والتأوّل ما قد يُعذَرون به عند الله تعالى، والله - تعالى - يغفر لنا ولهم، والواجب أن نكون أكثر شجاعة وبذلاً في سبيل إظهار السُّنة ونشرها، ومدافعة البدعة وإزهاقها. فاللهم أحينا على الإسلام والسُّنة حتى نلقاك.


[1] انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية 2/24.

[2] مجموع الفتاوى 3/421.

[3] الدرء 5/248.

[4] مجموع الفتاوى 9/230، وانظر مجموع الفتاوى 13/227.

[5] انظر منهاج السُّنة 5/157، 4/121.

[6] مجموع الفتاوى 3/227.

[7] طبعت الرسالة مختصرة قبل أكثر من عشرين سنة، ثم ألحق الشيخ مسائل جليلة وزيادات نفيسة، فبلغت أكثر من مائتي صفحة، وهي من مطبوعات دار الحجاز للنشر بالقاهرة.

[8] انظر: الإنصاف للباقلاني الأشعري ص 22، وإرشاد الجويني ص 3.

[9] انظر: نقض المنطق لابن تيمية ص 88، والمواقف للإيجي الأشعري ص 272.

[10] انظر: الدرء 1/159، وشرح الطحاوية لابن أبي العز 1/243.

[11] جملة من تأويلات الأشاعرة كابن فورك والفخر الرازي وأشباههما هي عين تأويلات بشر المريسي «اليهودي»! انظر: مقدمة الحموية لابن تيمية.

[12] التسعينية لابن تيمية (ضمن الفتاوى الكبرى) 5/305.

[13] رسالة المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدع.

[14] الرد على من أنكر الحرف والصوت ص 177 - 181 = بتصرف يسير.

[15] انظر: الدرء 1/131 - 7/94.

[16] قال د. سفر الحوالي: «نشره سنة 1369هـ وهي السُّنة التي قامت فيها دولة إسرائيل بفلسطين ولسان حال الكوثري يقول: إذا لم تكن هذه الدولة على مذهب الحشوية فلتكن ما تكون» منهج الأشاعرة في العقيدة ص 179.

[17] انظر: منهج الأشاعرة في العقيدة ص 183.

-----
تفضلوا بزيارة قناة القرون الاولى المفضلة FirstGenerations

Thursday, August 13, 2009

عثار ( القول التمام ) رد على : القول التمام بإثبات التفويض مذهباً للسلف الكرام

عثار ( القول التمام )
د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
رد على كتاب: ( القول التمام بإثبات التفويض مذهباً للسلف الكرام )


سوّد سيف العصري كتاباً أسماه ( القول التمام بإثبات التفويض مذهباً للسلف الكرام ) , وقد طالعتُ الكتاب فإذا هو حافل بالمزالق والمغالطات والتلبيسات - كما سيأتي الإشارة إلى بعضها - وقدّم له نخبة من الأساتذة الأشياخ , وعلى رأسهم الشيخ د. يوسف القرضاوي .

ـ عندما تطالع مقدمة د.القرضاوي فإن وَهْم التشبيه والتجسيم عالق في ذهنية القرضاوي منذ كان صغيراً في ابتدائية الأزهر حتى ساعة كتابة المقدمة ( 1428هـ ) , وهذا الوهم الجاثم هو امتداد لما كان عليه أسلافه ( الأشاعرة ) كما في جوهرة اللقاني والنسفية وموقف الإيجي ونحوها .. إذ انقدح في أذهانهم أن في إثبات أكثر الصفات الإلهية تمثيلاً وتشبيهاً , فدفعوه بالتأويل الفاسد أو التفويض والتضليل .

وليت الشيخ القرضاوي ـ وهو في معترك المنايا ـ أن يتحرر من هذا التقليد للأشاعرة والتسويغ لمقالة الداعية الكبير حسن البنا ـ رحمه الله ـ في تصوير مذهب التفويض ( التجهيل ) , لاسيما وأن الأشاعرة يوجبون "النظر" , ويجعلونه أول واجب , فغاية الإيمان هو العلم بحدوث العالم وقدم الصانع !! ويجعلون المقلد في التوحيد كافراً كما في الأقوال التي قررها البيجوري في شرح جوهرة اللقاني , والتي عَوّل عليها القرضاوي في دراسته ومقدمته .

ـ وقد حكى القرضاوي انفتاحه الكبير على مذهب السلف ـ أو مدرسة ابن تيمية وابن القيم على حدّ تعبيره ـ لكن هذا الانفتاح المرتقب بعد هذا العمر المديد سرعان ما تقشع بعد هذه الدعوى بسطور ! فالقرضاوي يقول : " قال ابن تيمية بصريح العبارة ... لله جنب ولكن ليس كجنبنا "

وهذه كذبة صلعاء على شيخ الإسلام , فإنه قد قال - رحمه الله - : " لا يعرف عالم مشهور عند المسلمين ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين أثبتوا لله جنباً , نظير جنب الإنسان , وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله : { أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ } الزمر56 , فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له , بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة كبيت الله , وناقة الله .. والتفريط ليس في شيء من صفات الله عز وجل .. بل يراد به أنه فرّط في جهته وفي حقه .. " الجواب الصحيح 3/145, 146 باختصار ( طبعة المدني ) .

وهذا ما قرره الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على بشر (ص184) , وكذا الإمام ابن القيم في الصواعق المرسلة 1/250 .

ولو تكرم الشيخ القرضاوي بالتفاتة عابرة على تراث ابن تيمية لما أوقع نفسه في هذه العثرة .

ـ الانفتاح " المنتظر " من الشيخ القرضاوي مع أهل السنة والجماعة قد صيّره بعيد المنال , لما عَرّض بأهل السنة ولمزهم بالإرهاب الفكري , وأن انتشار هذه المدرسة ( السلفية ) لأجل قوة سياسية أو اقتصادية .

ولو نطق بهذا اللمز غير القرضاوي من الأغمار وأشباههم لكان أمراً مكروراً ! لكن أن يصدر هذا الطعن من أشهر الشخصيات الإسلامية في العالم , وأبرز علماء العصر ! فهذا مردود شرعاً وعقلاً وفطرة وواقعاً .

أفيقال : إن ظهور مذهب السلف في أرض الكنانة مثلاً لأجل نصرة النظام المصري لمذهب السلف الصالح !!! إن مذهب السلف الصالح يكابد أنواعاً من المكر الكبّار - خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر - ومع ذلك فمذهب السلف له الظهور والقبول والانتشار , إذ هو في غاية الاطراد والوضوح , وهو المذهب الذي تقبله العقول والفِطَر , والقائم على الرسوخ واليقين والتسليم للشرع والاستدلال به .. وكما قال ابن تيمية : " وإذا تأمل اللبيب الفاضل تبيّن له أن مذهب السلف والأئمة في غاية الاستقامة والسداد , والصحة والاطراد , وأنه مقتضى المعقول الصريح , والمنقول الصحيح , وأن من خالفه كان مع تناقض قوله المختلف الذي يؤفك عنه من أُفك خارجاً عن موجب العقل والسمع , مخالفاً للفطرة والسمع .. " الفتاوى 5/212, 213 .

والمأمول من الشيخ القرضاوي أن يفتح قلبه ويشرح صدره لإخوانه أهل السنة والجماعة , وأن يطالع تراثهم بموضوعية وبلا مقررات سابقة , فالشيخ القرضاوي قد خاض غمار حياة حافلة بالمكتسبات والابتلاءات والتجارب , وأعقب ذلك مرونة ظاهرة , وانفتاحاً في غاية الاتساع , كما في مواقفه من الأنظمة والغرب .. وإخوان القرضاوي وأبناؤه من أهل السنة والجماعة هم أحق وأولى بهذا الانفتاح والتواصل !

ـ ويقرر الشيخ القرضاوي أن منهج القرآن عدم تجميع نصوص الصفات في نسق واحد , إذ قد يوهم التركيب والتجسيم - على حدّ دعواه - .. وهكذا فإن " كابوس " التشبيه قد استحوذ على القرضاوي , فظن أن هذا الإثبات يعدّ تجسيماً .. وما أجمل ما قاله أبو الحسن الأشعري لأبي علي الجبائي ( المعتزلي ) : كأن القرآن قد نزل بلغة جبّاء ! والقرضاوي يريد أن يجعل القرآن وفق " مقررات " الأزهر وعقائد البنا ! وكما قال ابن تيمية : المعتزلي يجعل القرآن معتزلياً , والرافضي يجعله رافضياً .. وهكذا .

وهل إذا تمّ التفريق - بناء على قاعدة القرضاوي - يزول محذور الشبيه ؟!

ها أنتم تزعمون التمثيل والتشبيه في أكثر نصوص الصفات وهي مفرّقة في القرآن ومع ذلك أعملتم التأويل المذموم , والتفويض والتجهيل !

وهاهو صاحبكم البيهقي - رحمه الله - جمع ما يتعلق بالصفات في كتابه الشهير ( الأسماء والصفات ) ثم أعقبها بتأويلات المتكلمين كابن فورك وأشباهه والمقصود أن محذور ( الجمع ) و ( التفريق ) ليس مؤثراً عندكم , فأنتم عازمون وماضون في التأويل أو التجهيل سواء اجتمعت النصوص أو افترقت !

وبالجملة فهذه القاعدة المتهافتة من " جراب " القرضاوي فلا دليل عليها , وليس له سلف في ذلك .

والمقصود أن حشد نصوص الصفات الثابتة والصريحة يحقق إقراراً بمعانيها , وفهماً لدلالتها , وهذا لا يروق لأرباب التفويض والتأويل ! وكذا فإن نَفَس التفويض قد أحكم قبضته على القرضاوي حتى أنه أورد نقلاً جلياً في إثبات الصفات لعثمان الدارمي , فزعم أنه تفويض !!

ومن تقريرات السلف الصالح في بيان أن معاني الصفات معلومة وليس مجرد مذهب ابن تيمية وابن القيم كما يظن القرضاوي , ماقاله شيخ الإسلام الصابوني ( ت449هـ ) : " ينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها , فيعظموا الله حق عظمته , ولو أراد رجل أن يعامل رجلاً طلب أن يعرف أسمه وكنيته , واسم أبيه وجدّه , وسأل عن صغير أمره وكبيره , فالله الذي خلقنا ورزقنا ونحن نرجو رحمته ونخاف من سخطه أولى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها " الحجة في بيان المحجة 1/22 .

ـ وأما مقدمة وهبي غاوجي , فهي تحكي إفلاس المذكور , فما جدوى مقدمة يكتبها " الشيخ العلامة .. " وهي مجرد استلال نقول من مريده سيف ( العصر ) ؟! فهل ( القول التمام ) ألحق بغاوجي عيّاً فاقتصر على الترداد والنقل الحرفي عن التلميذ , اللهم إلا أن غاوجي زعم قائلاً : " لقد أخطأ رجل من القرن السابع تصور التفويض" ؟!

وهل بلغ بغاوجي الحنق على ابن تيمية فلا يذكر اسمه ! وإنما " رجل في القرن السابع " !! فهل هذا من الإلغاز والتعمية والذي يتفق مع مذهب القوم وما فيه من تلوّن وتجهيل !

أم هو الاحتقار والازدراء لإمام الدنيا , وناصر السنة , و وارث علم النبوة شيخ الإسلام ابن تيمية ؟! ومع ذلك فغاوجي ينقل عن السبكي, ما ظاهرة تكفير ابن تيمية , ويؤيده ! كما في كتابه أركان الإيمان ص298 ( انظر منهج الأشاعرة في العقيدة ص135 ) .

إنها حماقة مكشوفة ومكابرة للبديهيات لا تسترعي تطويلاً .. لكنه النَفَس البدعي والذي يحاكي سبيل الباطنية , حيث يقول أبو حاتم الباطني " إن من جملة المجسِّمة قوماً يقال لهم المالكية , ينسبون إلى رجل يقال له : مالك بن أنس , وقوماً يقال لهم الشافعية , ينسبون إلى رجل يقال له : محمد بن إدريس " انظر : منهاج السنة 2/106, وشرح الطحاوية 1/86 .

ـ وأما مقدمة أ.د. حسن الأهدل ففيها تناقض فاضح , إذ يردد صاحبها أن التفويض هو عين مذهب السلف ثم ينقض ترداده قائلاً " وما يسعنا في هذا الباب إلا أن نقول مثل ما قال سلفنا الصالح " الاستواء معلوم , والكيف مجهول ... " " فالمذكور يحتج بما يبطل مذهبه ! قال تعالى : { أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } الزخرف18 قالوا : هي المرأة لا تتكلم بحجة لها إلا كانت عليها .

ـ وأما تقديم ( الشاعر ) د. هنداوي فهي عبارة عن أبيات نظمها في محاولة يائسة في تلميع مسلك التأويل الفاسد والتفويض والتجهيل , ونفض الغبار عن هذا المذهب المتناقض وترداد ما قاله الأشاعرة ـ في ترويج التحريف والتجهيل .. ويأتي تقديم د. أبي حسان فإذا أغلبه في واد , وموضوع الكتاب في واد آخر !

ـ و قبل الشروع في أهم مزالق الكتاب نذكِّر بأن مذهب السلف الصالح في صفات الله تعالى هو الوسط والعدل بين تحريفات المتأولين وجهالات المفوِّضين وعماياتهم , فمعاني الصفات معلومة , وهذا متقرر في كتاب الله – تعالى - , حيث أمر الله – تعالى - بتدبّر الكتاب كلّه أي عقله وفهم معانية , وآيات الصفات تدخل في ذلك دخولاً أوليّاً , قال - عز وجل - : { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ } ص29, والتعرّف على الله – تعالى - وفهم أسمائه وصفاته أمر فطري ضروري , فأعظم ما تتوق له النفس , وأحوج ما تكون إليه هو العلم بالله وعَقْل أسمائه وصفاته والتعبّد بها فلا تتحقق عبادة الله – تعالى - إلا بفقه أسماء الله – تعالى - وصفاته , وتحريك القلوب بالدعاء بها , قال – تعالى - : { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } الأعراف180.

وأما كيفية صفات الله – تعالى - وحقائقها فإنها مجهولة كما في قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ } آل عمران7 .

قال ابن تيمية - رادّا على أهل التأويل والتفويض - : " فمن كان يرى أن الذي أمر الله به إما أن تكون الأمةُ كلها أمّيةً لا تعقل معاني الكتاب , وإما أن تكون فيها من يُحرِّفه بالتأويلات المبتدعة , فهو ممن يدعو إلى الإعراض عن معاني كتاب الله ونسيانها , ولهذا صار هؤلاء يَنْسَون معانية حقيقة , فلا يخطر بقلوبهم المعنى الذي أراده الله ولا يتفكرونه , وهذا نسيان حقيقي لمعاني كتاب الله .. " جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية ص25.

وخلاصة الكتاب المذكور : هو التسويق لمذهب الأشاعرة والقائم على التلفيق والتناقض , و التأويل الفاسد , والتفويض الجاهل , وإسقاط حرمة النصوص الشرعية ومن هذا التمشعر ما حواه الكتاب من تقرير مذهب التفويض وهو عندهم ( أن لنصوص الصفات معان لا يعلمها إلا الله ) وإلصاق ذلك بسلف الأمة .. وهذا المذهب الرديء , من طرائق الأشاعرة , وهو من شر أقوال أهل البدع والأهواء , وقد تولى سلفنا الصالح الردّ على هذا المذهب وكشف عواره وتناقضه , كما في الفتوى الحموية والرسالة التدمرية والقاعدة المراكشية وجواب الاعتراضات المصرية لابن تيمية والصواعق المرسلة لابن القيم (2) .

وسيف العصر يعمد في هذا الكتاب إلى نبش هذه الجهالات - مذهب التضليل والتفويض - وبعث رميمها .. وطباعة وتوزيع " القول التمام " (3) مؤذنٌ بالعثار والمحاق , وظهور بدعة التفويض يعقبه زوالها ومزيد ظهور وقبول لمذهب السلف الصالح , وكما قال سحنون - رحمه الله - : " أما علمت أن الله إذا أراد قطع بدعة أظهرها " ترتيب المدارك لعياض 1/611 .

وقال ابن تيمية : " ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين , وبيان حقيقة أنباء المرسلين : ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين .. وذلك أن الحق إذا جحد وعورض بالشبهات , أقام الله - تعالى - مما يحقّ به الحق , ويبطل به الباطل من الآيات والبينات بما يظهره من أدلة الحق , الجواب الصحيح 1/13 .

ـ إن آفة ( السيف العصري ) في عموم كتابه هو أن وَهْم التمثيل في سائر الصفات الإلهية قد استولى على عقله وتقريراته .. ففرّ من هذا الوهم إلى عمايات التفويض والتجهيل , فإثبات الصفات ـ التي لا يروق له إثباتها ـ تستلزم التجسيم (ص43) , ولا يفهم المسكين من إثبات اليد لله - تعالى - إلا الجارحة (ص44) , والافتقار و الاحتياج (ص56) .

وهذا سبيل الزائغين في باب الصفات , إذ توهموا التمثيل في نصوص الصفات فدفعوه بالتحريف أو التجهيل . وإمعاناً في ( الوصاية ) و إتباعاً للأسلاف : جهم السمرقندي وبشر اليهودي وأضرابهما .. فإن سيفاً يريد أن يحشرك في مسائل وفق عقله الكليل وتمثيله المبطن , فصاحب ( المقال ) يردد : لو كان لله – تعالى - يد حقيقة فإما أن تمثِّلها بالمخلوقات وإلا ففوِّض (ص57) , وهذا مسلك الجهمية القائلين مثلاً لو كان الله فوق العرش للزم أن يكون العرش أكبر أو أصغر أو مساوياً .. ( ينظر : الحموية ص274 , وبيان تلبيس الجهمية 3/683 , الدرء 6/290 ) .

والمقصود أن داء التشبيه قد أغرق القوم , واستحوذ على أذهانهم وسيطر على أدمغتهم , فعالجوه بالولوج في دهاليز التجهيل والتفويض .

والأسطوانة التي يكررها سيف و نابتة التفويض عموماً هي أن يُخْضِع ويطوِّع السلفي لآراءه , فإما أن تكون ممثلاً أو مفوضاً , ولا سبيل غيرهما !! فقياس التمثيل جاثم عليه , كما كان جاثماً على أسلافه الجهمية .

فقاسوا الخالق على المخلوق قياس تمثيل , فنفوا العلو والاستواء عن الله – تعالى - , إذ انقدح في ذهنهم التمثيل فقالوا : لو كان الله فوق العرش للزم أن يكون العرش أكبر أو أصغر أو مساوياً.. أو على حدّ جواب امرأة جهم : محدود على محدود ! لما قيل لها : الله – تعالى - على عرشه .

ـ واللُهاث في سراب التجهيل لا طائل من وراءه , ويوقع صاحبه في أنواع من السفسطة والمكابرات , فالعلامة العصري يتفاصح ويطالب بتعريف النزول واليد والمحبة والرضا .. كلّ ذلك من أجل أن يوقع غيره في ( الشراك ) الذي تخبط فيه من ( تمثيل عالق ) إلى ( تفويض واقع ) , فلا يعقل السيف المذكور آنفاً من إثبات ( اليد ) - على سبيل المثال - إلا الافتقار والحاجة ! لأن اليد - عند المخلوق - لحاجته وافتقاره , فلازم الاحتياج والافتقار في صفات المخلوق نقله إلى الله تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ولو انعتق عقله من أَسْر التمثيل وأثبت ما يختص به الربّ من جميع صفات الكمال الواردة في نصوص الوحيين لاستراح وأراح .

ـ والنصوص الشرعية التي جاء فيها وصف الله باليد - مثلاً - قد جاء فيها إضافة تلك الصفات إلى الله – تعالى - , وما أضيف من الصفات إلى شيء فإنه يكون لائقاً بما أضيف إليه , فإذا قيل : يد الفيل , فهم السامع لهذا الكلام من ( اليد ) معنى مناسباً لذات من أضيفت إليه , أي الفيل , ولم يفهم منه ما يناسب قولنا ـ مثلاً ـ يد النملة .

والنصوص الشرعية قد جاء فيها إضافة اليد إلى الله – تعالى - , ففهمنا أن ظاهر تلك النصوص يدل على أن تلك الصفات لائقة بالذات التي أضيفت إليها وذات الله ليست كذات المخلوق , فكذا صفاته كصفة اليدّ ليست كصفات المخلوق .

ـ ولما كان مذهب التفويض لسائر الصفات قائماً على تحكم وترجيح بلا مرجح , وتفريق بين نصوص الصفات , فالصفات السبع يثبتونها , وسائر الصفات يعتريها التفويض والتجهيل .. عندئذ شَرِقوا بقاعدة شرعية عقلية متينة تنسف مذهب أرباب التجهيل والتلفيق , وهي أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر , فعمد المسفسط إلى تسطير هذا العنوان : ( بطلان مقولة القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر ) وقد أشار بعضهم إلى هذه القاعدة كالأشعري في الإبانة (ص89) وابن الزاغوني في ( الإيضاح في أصول الدين ) ص284 , والباقلاني في الإبانة ( انظر الفتوى الحموية لابن تيمية ص508) وابن قدامة في ( تحريم النظر في كتاب الكلام ) ص57ـ64 , فليست مقولة لابن تيمية وابن القيم فحسب كما ظن العصري .

ـ ويقال لهؤلاء الحيارى ها أنتم تثبتون صفة العلم لله – تعالى - , وتنكرون اليدين والساق لله - عز وجل - , بحجة أن في إثبات اليدين والساق افتقاراً وحاجة , فشبهة الحاجة والافتقار تنقلب على هؤلاء الأشاعرة ( أرباب التجهيل ) , فإن المعتزلة - نفاة العلم - يقولون : ( لو كان لا يعلم إلا بعلم لكان محتاجاً في كونه عالِماً إلى ذلك .. وقد ثبت أنه غنيّ من كل الوجوه , ولا تجوز عليه الحاجة ) المختصر في أصول الدين ضمن رسائل العدل والتوحيد لعبدالجبار المعتزلي 1/182 .

فإن كان ثبوت اليدين يستلزم الحاجة , فكذا ثبوت العلم , وإن قلتم ثبوت الصفات لا يستلزم الحاجة , فقد بطلت دعواكم .

كما أن الافتقار المنفي عن الله - عز وجل - , هو افتقار إلى ما هو خارج عن نفسه , وأما ما هو داخل في مسمى نفسه المقدسة كالصفات - ومنها اليدين - فليس هو شيئاً خارجاً عن نفسه (4) .

ومن أوجه .. تناقض واضطراب القوم , أنهم يثبتون الإرادة لله – تعالى - , ولا يَرِد عارض التمثيل عليهم ها هنا , فإذا جاء إثبات الصفات الخبرية توهموا التمثيل فركنوا إلى التفويض والتجهيل .

فيقال لهم : وهم التمثيل يلاحقكم ويلازمكم فيما أثبتم , فالإرادة هي ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة , فإن قالوا هذه إرادة المخلوق , وإرادة الله تليق به , فكذا يقال : إن يد الافتقار والحاجة هي يد المخلوق , ويد الله تليق به سبحانه .

ـ هرع العصري والغرسي والكبيسي - ومن ورائهم القرضاوي - ففرقوا من غير هدى ولا كتاب منير , فزعموا أن إثبات الصفات الخبرية يوهم التركيب .. بخلاف الصفات السبع , فيقال : هذا التركيب - مع ما فيه من إجمال - يلزمكم فيما أثبتموه من الصفات كالحياة والسمع والبصر .. ! كما بسطه ابن تيمية في مجموعة الفتاوى 13/305 .

ويقال لهؤلاء كما قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي - رحمه الله - منكراً أصل تلك العبارات المبتدعة - والتي يرددها العصري وأصحابه - : ( وهذا الذي تكرر مرة بعد مرة - جارح , وعضو , وما أشبهه - حشو وخرفات , وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين , وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنقول كما قال , ونعني بها كما عنى , والتكييف عنا مرفوع , وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع )) الرد على بشر 2/689 .

يأبى العصري - وكذا صاحبه أحمد الكبيسي ومن قبلهم البوطي وغاوجي وآخرون - إلاّ اللحوق بذيل هذا القافلة المتنكبة : سبيل القرون الثلاثة المفضلة , فيقلد الأشاعرةَ في الغلو في المعقولات , وتقديمها على المقولات , وإن كانت هذه المعقولات في الحقيقة والواقع مجهولات وكسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً .. إذ افتعل الأشاعرة تعارضاً بين العقل والنقل , ثم قدّموا عقولهم .. فالعصري وشركاؤه قد أهدروا حرمة النصوص الشرعية , فالصفات الخبرية التي تثبت بالسمع لهم أن يعبثوا بها عبر تأويلات متعسفة وجهالات مضللة .. وهكذا يمتهن القوم النصوص القرآنية والأحاديث النبوية , ويجوّزون لعقولهم الكاسدة الاستدراك والتعقيب على نصوص الوحيين , وهكذا كان أسلافهم فالرازي يزعم أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ـ وهذا من مقدمات الزندقة التي يشركه فيها فئام من ملاحدة هذا العصر ـ وصاحبهم ( السنوسي ) في أم البراهين يتفوّه قائلاً : من أصول الكفر التمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة !!

قال ابن القيّم ( فالقوم على شركهم وشدة عداوتهم لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كانوا أصح أفهاماً من الجهمية الذين نسبوا ظاهر القرآن إلى هذه الصفة القبيحة ولكن الأذهان الغُلف , والقلوب العمي , والبصائر الخفاشية لا يكثر عليها أن تفهم هذا من ظاهر القرآن ) الصواعق المرسلة 1/242 .

وأحسب أن ما دُوِّنَ آنفنا هو الأهم في ... بيان عوار الكتاب , وأختزل المآخذ الباقية على النسق الآتي :-

تصنّع المؤلفُ الترفق والاقترابَ من مذهب السلف الصالح , وتظاهر بأن الخلاف بين مذهبه وبين مذهب السلف لفظي تارةً , أو أنه مجرد خلاف لغوي لا عقائدي !!

كما جاء في مطلع الكتاب . فهذا التلوّن والمداهنة جادة مطروقة قررها بشر المريسي كما قال الإمام عثمان الدارمي : ( بلغنا أن بعض أصحاب المريسي قال : كيف بهذه الأسانيد التي يحتجون بها علينا في ردّ مذهبنا مما لا يمكن التكذيب بها ؟ قال : لا تردوه فتفضحوا ولكن غالطوهم بالتأويل , فتكونوا قد رددتموها بلطف إذا لم يمكنكم ردّها بعنف ) الردّ على بشر ص556 .

لكن النَفَس البدعي قد طغى على الكتاب ! والطعن في علماء السلف الصالح ظاهر مكشوف , فيتهم ابن تيمية بالاضطراب (ص49) , ويفتري على الشيخين ابن باز والشيخ صالح الفوزان , فيزعم أنهم لا ينفون النقص عن الله إلا بورود نصّ خاص (ص53) , وينبز السلف الصالح بالتجسيم والتشبيه ويحتج بالمتشابه من الكلام .. ويعرض عن المحكمات .. ويتتبع الزلات .. ويتدثر بالألفاظ المجملات .. وما حال المذكور وأسلافه إلا كما وصفهم الإمام أحمد قائلاً : ( يتكلمون بالمتشابه من الكلام , ويخدعون جهال الناس بما يشبِّهون عليهم ) الرد على الزنادقة ص172 .

وصاحبنا ( العصري ) مصاب بداء الوصاية ـ كما سبق ـ ومتلبِّس بـ( المصادرة ) , إذ يستدل على قوله بنفس دعواه ! وهو مفتون ومسحور بالفخر الرازي , ولا غرر فإن الرازي صاحب (السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم ) !

ويتعمّد المؤلفُ التفاصحَ في عباراته , والتشدّق في تقريراته , والتشبّع والتطويل بالنقول وأنواع التقاسيم .. وهذه العبارات العسيرة وما فيها من غثاثة تشبه الجعجعة والضجيج الذي يُخوّف به الصبيان وأشباههم !

وأخيراً ففي الكتاب من الجفاء والوحشة والرعونة في حق الله - عز وجل - ما هو ظاهر بيِّن , وحشد أنواع التأويلات الفاسدة المتعسفة , والركون و اللياذ عقب إيراد هذه التحريفات إلى الجهالات والعمايات .

قال ابن تيمية : " وأكثر هذه التأويلات المخالفة لمذهب السلف وأهل الحديث تتضمن من عيب كلام الله ورسوله والطعن فيه ما هو من جنس الذين يلمزون النبي من المنافقين , لما فيها من دعوى أن ظاهر كلامه إفك ومحال وكفر وضلال , ثم صرفها إلى معان يُعلم أن إرادتها بتلك الألفاظ من الفهاهة و العِيِّ وسبيل أهل الضلال والغَيِّ , فالمدافعة عن الله ورسوله من سبيل المؤمنين و المجاهدين كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( جاهدوا المشركين بألسنتكم وأيديكم وأموالكم ) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي .

ومن ذلك بيان سخافة عقول هؤلاء المنحرفين , وكونهم من أهل الضلال المبين , كالذين ذمّهم الله من الذين يحرِّفون الكلم عن مواضعه , والذين لا يفقهون , ولا يتدبرون القول , وشبّههم بالأنعام , والحُمُر المستنفرة , والحمار الذي يحمل أسفاراً " جواب الإعتراضات المصرية ص104 .

وإذا كانت سائر الصفات لا تُعلم معانيها مطلقاً , فهل يتحقق التعبد بصفات الله عند أقوام لا يعلمون آيات الصفات إلا أمانيّ ؟! وهل يحصل الأنس بالله - تعالى - , وتمام التعلق به , وتحقيق مقصده وتألهه إلا بالعلم بمعاني أسمائه وصفاته , والتفقه في هذا الباب الجليل والمطلب النفيس .

فأعظم الناس علماً بصفات الله , وأكملهم فقهاً لمعاني أسمائه الحسنى وصفاته العلا هو أتمّ الناس عبادة لله تعالى , وأشدهم حباً وخشية ورجاء لله - عز وجل - .

وإذا كان أهل الإسلام بفطرهم الوجدية يخافون الله ويرجونه , ويدعونه رغبا ورهباً , لما قام في قلوبهم من إثبات أسمائه وصفاته الدالة على كمال رحمته وإحسانه وبرّه , وعظيم بطشه وشديد غضبه وانتقامه . فهل يعي أهل التفويض هذا الأمر الفطري الضروري ؟ أم ينكرون ما يجدون في أنفسهم من إقرار ومعرفة بمعاني الصفات ؟!



ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سيف العصري من أهل اليمن وهو من تلاميذ صالح الأسمري ـ داعية بوزارة الشؤون الإسلامية بالرياض ! ـ ومدرسةصالح الأسمري تتقصد الطعن بمنهج السلف الصالح وعقائده واستدلالاته .

للاستزادة راجع هذا الرابط

http://www.muslm.net/vb/showthread.php?t=300483

(2) كتب د. أحمد القاضي رسالة علمية رصينة بعنوان ( مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات عرض ونقد ) كما كتب د. رضا معطي كتيباً بعنوان ( علاقة الإثبات بالتفويض ) .

(3) أخبرني من أثق به أن الكتاب وُزِّع مجاناً في المدينة النبوية .. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( المدينة حرام ما بين عير إلى ثور , فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى فيها محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .. )) أخرجه خ م .

(4) كتب الباحث المحقق تميم القاضي رسالة علمية فريدة قوية بعنوان ( قلب الأدلة على الطوائف المخالفة في توحيد المعرفة والإثبات ) وقد انتفعت بها , وستطبع قريباً بإذن الله وفيها من الحجج والبراهين ما يحقق (الخنق) و(الطحن) و (الإجهاز) على شبهات المتكلمين والفلاسفة .


المصدر:
http://www.islamlight.net/index.php?...4706&Itemid=48
-----
تفضلوا بزيارة قناة القرون الاولى المفضلة FirstGenerations